الخافي والوافي في متطلبات المحولات المصرفية الوسيطة والأمان الاقتصادي: بين المعايير العالمية وغياب الشفافية في الحالة السودانية

بقلم: د. محمد علي عبد الحليم إبراهيم
يمر النظام المصرفي السوداني بأحد أدق مفاصله التاريخية؛ فبين مطرقة الحرب التي فرضت واقعاً جغرافياً وتقنياً معقداً، وسندان السعي نحو استمرارية الأعمال وتوسيع مظلة المدفوعات الرقمية، تبرز قضية “المحولات المصرفية الوسيطة” كقضية أمن قومي واقتصادي من الدرجة الأولى. إن القرار الأخير لبنك السودان المركزي بإلغاء ترخيص “شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية” بعد أيام من منحه في يوليو 2026، يفتح الباب واسعاً لقراءة تفكيكية توازن بين “الوافي” من المعايير العالمية الصارمة، و”الخافي” من كواليس غياب الشفافية وحوكمة القطاع التقني المالي في الحالة السودانية.
أولاً: الحرب كمحرك للرقمنة القسرية (واقع بالأرقام)
لقد فرضت ظروف الصراع المستمر واقعاً تدميرياً على البنية التحتية التقليدية للبنوك، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن أكثر من 600 فرع بنكي من أصل حوالي 900 فرع في السودان قد تعرضت للدمار أو الإغلاق القسري. هذا الشلل الفيزيائي واكبه “تسونامي رقمي” غير مسبوق لتعويض غياب الكاش؛ إذ قفز عدد المواطنين الذين يعتمدون على تطبيقات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية إلى 13.4 مليون مستخدم، ما يمثل أكثر من 30% من إجمالي السكان.
هذه القفزة الهائلة تعني أن إدارة هذه الحركة المالية الضخمة لم تعد مجرد ترف تقني، بل باتت العمود الفقري لمعيشة ثلث الشعب السوداني، مما يرفع من حساسية “المحول المالي” الذي يوجه هذه التدفقات ويسيطر على بياناتها.
ثانياً: “الوافي” في الهندسة التقنية الدولية (ماذا تقول المعايير؟)
المحول المالي (Financial Switch) ليس مجرد تطبيق أو منصة تجارية، بل هو شريان السيادة المالية للدولة. عالمياً، تخضع هذه البنية التحتية الحرجة لمنظومة امتثال بالغة التعقيد لا تقبل التهاون، وتتجسد في محاور أساسية:
- معايير الحوكمة وهيكل الملكية (PFMI): تفرض مبادئ البنية التحتية للأسواق المالية الصادرة عن بنك التسويات الدولية (BIS) شفافية مطلقة حول الهوية النهائية للملاك (Ultimate Beneficial Owners)، لضمان عدم وجود واجهات مشبوهة أو تضارب مصالح يُستغل في أنشطة تضر بالأمن القومي أو الاقتصاد.
- الأمن السيبراني وحماية البيانات (PCI-DSS & ISO 27001): تتطلب المحولات قدرة تقنية فائقة على تشفير البيانات وتمرير الرسائل المالية دون الاطلاع على أسرار الحسابات، مما يستوجب استثمارات ضخمة ومستمرة في مراكز البيانات البديلة (Disaster Recovery Centers) لضمان استمرارية الخدمة بنسبة لا تقل عن 99.99% على مدار العام.
- الرسائل الموحدة (ISO 20022): وهي اللغة العالمية الحديثة للمدفوعات الفورية التي تضمن تتبع attorneyالأموال بدقة متناهية لمنع الفوضى المالية. ثالثاً: “الخافي” في المشهد السوداني وظلال غياب الشفافية
حين نسقط هذه المعايير الدولية على “الحالة السودانية”، نجد فجوة عميقة تفسر حالة الصدمة التي سادت الأوساط الاقتصادية مؤخراً. كيف يُتاح لشركة خاصة ناشئة، تأسست في أواخر عام 2025، أن تُمنح فجأة حق إدارة محول وسيط يربط المصارف السودانية انطلاقاً من بورتسودان؟
تكمن الإشكالية في ثلاثة أبعاد رئيسية غابت عنها الشفافية:
- تجاوز الذراع الوطنية المؤهلة والأرقام القياسية لـ EBS: يمتلك البنك المركزي شركة “الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)”، وهي المؤسسة الوطنية التي أثبتت امتلاكها لقدرات مهنية فائقة ومعرفة فنية متقدمة قادرة على مجابهة أقسى الأزمات التشغيلية. وقد حققت طفرة غير مسبوقة لربط النظام المالي الموحد (BBAN). وتشير البيانات الرسمية لمنتصف عام 2026 إلى أن إجمالي التحويلات البينية عبر شبكة EBS تجاوز 234 مليون معاملة رقمية خلال الفترة بين 2025 ومنتصف 2026. والأهم من ذلك، أن عدد المعاملات قفز من 92.8 مليون معاملة في عام 2025 إلى 141.46 مليون معاملة في النصف الأول من عام 2026 فقط، محققاً نسبة نمو قياسية بلغت 52.44%. علاوة على ذلك، تُوج هذا النجاح باعتماد شركة EBS رسمياً كمكتب خدمة عالمي لشبكة “سويفت” (SWIFT). فلماذا التسرع في منح رخصة لشركة خاصة ناشئة ومبهمة في ظل هذا الامتياز الفني الوطني الحاضر والمجرب؟
- غياب البيئة التشريعية الحامية للبيانات: يعاني السودان من فراغ تشريعي حاد في قوانين حماية البيانات العامة والخصوصية الرقمية المصرفية. في ظل هذا الغياب، يصبح تسليم مفاتيح الربط الفني لشركة خاصة مخاطرة غير محسوبة تضع بيانات ملايين المواطنين تحت رحمة جهات تجارية قد لا تلتزم بقدسية السرية المصرفية.
- توقيت حرج ومخاوف الأمن القومي: إن منح تراخيص حساسة تمس الأمن الاقتصادي في ظل ظروف الحرب والاستقطاب الراهنة، وبملكية غامضة أو غير معلنة للرأي العام، شكّل تهديداً مباشراً للثقة في القطاع المصرفي. وهو ما دفع المحافظ لإنقاذ الموقف وإلغاء الترخيص فوراً وتوجيه البنوك بحظر أي ربط فني مع جهات غير معتمد رابعاً: الطريق نحو الأمان الاقتصادي والسيادة الرقمية
إن تراجع البنك المركزي عن ترخيص شركة “العسجد” خطوة تصحيحية مقدرة، لكنها يجب ألا تكون نهاية المطاف. إن تحقيق “الأمان الاقتصادي” يتطلب صياغة إطار وطني شامل للمحولات المصرفية:
- تعزيز وتمكين الدور السيادي لشركة EBS: إن تفوق هذه المؤسسة الوطنية تكنولوجياً ومهنياً يفرض على الدولة والبنك المركزي ضرورة تعزيز دورها وتوسيع صلاحياتها وتوفير الدعم المالي واللوجستي اللازم لها، لتظل هي المرجعية والمظلة الأمنية الحامية لكافة المعاملات المالية في البلاد، بدلاً من تفتيت الجهود نحو مسارات مجهولة الحوكمة.
- الاعتماد على التعددية الآمنة تحت الإشراف الوطني (Redundancy): فكرة وجود محولات بديلة وموزعة جغرافياً لتفادي انقطاع الخدمة بسبب الحرب هي فكرة فنية سليمة ومطبقة عالمياً، ولكن يجب أن تتم بالكامل تحت قيادة وإشراف شركة EBS الحكومية أو عبر تحالفات تقنية تقودها المصارف الوطنية نفسها، وليس عبر شركات خاصة مبهمة التأسيس.
- مأسسة الشفافية المطلقة والتشريع العاجل: يجب أن تخضع أي رخصة مستقبلية في قطاع التقنية المالية (FinTech) لمعايير التأهيل المسبق الصارمة والعطاءات العلنية، مع الإسراع في إصدار قانون طوارئ لحماية البيانات المصرفية والمعاملات الإلكترونية يفرض عقوبات رادعة على أي اختراق أو إساءة استخدام لبيانات المواطنين.
خاتمة:
إن أمن السودان الاقتصادي يبدأ من حماية البنية التحتية لمدفوعاته الرقمية. ودرس “العسجد” يثبت أن محاولة القفز فوق المعايير العالمية بحجة الظروف الاستثنائية هو مسار محفوف بالمخاطر. يجب أن تظل أسرار المصارف وسيادة الدولة التقنية خطاً أحمر، تُدار بعقول وطنية ذات كفاءة مجربة ومشهود لها كشركة EBS، وبأعلى درجات الشفافية، لضمان بناء نظام مالي مرن وموثوق يعبر بالبلاد إلى بر الأمان الاقتصادي.


