آخر الأخبار

العبث بشريان الشمال.. انتحار اقتصادي وتواطؤ أعمى ضد المواطن

بقلم: د. محمد علي عبد الحليم ابراهيم

‏في وقت يمر فيه السودان بأدق وأخطر المنعطفات التاريخية في تاريخه الحديث، حيث يخوض حرب وجودية للدفاع عن كيانه وبقاء دولته، تخرج علينا فئات تفتقر لأدنى درجات الوعي والمسؤولية، لتسعى بكل جهل وتخلف إلى إغلاق طريق “شريان الشمال”. هؤلاء الذين يتخذون من “التروس” وسيلة لفرض إرادتهم القاصرة، لا يدركون أنهم لا يضغطون على حكومة ولا يلوون ذراع دولة، بل يخنقون المريض السوداني في مشفاه، ويقطعون حبة الدواء عن الطفل والشيخ، ويحرمون الأسر المنهكة من قوتها اليومي.
‏إن غلق هذا الشريان الدولي الحيوي تحت أي ذريعة أو مطلب فئوي ضيق، هو سلوك همجي يعكس جهلاً مطبقاً بمفاهيم الأمن القومي والمصالح العليا للبلاد.
‏كيف لعاقل أن يتسبب في إتلاف شحنات الأدوية والمحاليل الطبية الحساسة والمواد الحيوية التي تأتي عبر المعابر البرية من الشقيقة مصر؟ تلك الجارة التاريخية التي لم تتوانَ عن مساندة السودان وفتح أبوابها لاستضافة الملايين من أبنائنا في محنتهم الحالية.


‏كيف لذي بصيرة أن يشل حركة البضائع والمدخلات الزراعية التي تعتمد عليها ولايات بأكملها لتأمين غذائها، ثم يدعي أنه يدافع عن حقوق أهل المنطقة؟
‏إن عرقلة انسياب السلع الأساسية والوقود والدواء في هذه الظروف الاستثنائية لا يمكن تصنيفه إلا كشكل من أشكال الطعن في الظهر، وتواطؤ غير واعٍ مع القوى التي تريد إسقاط الدولة السودانية من الداخل عبر سلاح الجوع والمرض.
‏إن الأمن القومي السوداني في هذه الظروف الحساسة لا يتحمل هذا الهطل وهذا العبث الصبياني؛ فالأمن القومي للبلدين خط أحمر لا يقبل التلاعب، لارتباطهما الجغرافي والاستراتيجي العضوي والمصيري. لقد حان الوقت لينتهي هذا التخلف، فحق التعبير والمطالبة بالخدمات لا يعني أبداً امتلاك الحق في قطع حبل الوريد الذي يغذي ما تبقى من مفاصل الحياة في البلاد.
‏السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي،
‏الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، السادة أعضاء الحكومة السودانية،
‏إن هيبة الدولة السودانية اليوم باتت على المحك، ولم يعد هناك أي مجال للمجاملات أو التراخي تحت مسمى “الاستماع للمطالب المحلية”. إن استمرار مهزلة إغلاق طريق شريان الشمال، ووقوف الأجهزة الأمنية والتنفيذية موقف المتفرج أمام فئات تخرب الاقتصاد الوطني وتعطل قوافل الإمداد الإنساني والطبّي، هو تفريط صريح في أمن البلاد القومي.
‏إننا نتوجه إليكم بهذ
‏ا النداء الصارم لاتخاذ الإجراءات التالية فوراً وبدون أي تردد -الحسم وبسط هيبة الدولة:
‏يجب إيقاف هذه الفوضى فوراً بقوة القانون، وإعلان طريق شريان الشمال منطقة استراتيجية مغلقة يمنع التجمهر فيها أو تعطيل الحركة البرية بأي شكل من الأشكال، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في قطع الإمداد عن المواطنين باعتباره مهدداً للأمن القومي.
‏تأمين سلاسل الإمداد الحيوية:
‏إن الدواء، والمستلزمات الطبية، والسلع الغذائية القادمة من جمهورية مصر العربية هي عصب الحياة المتبقي للمواطن السوداني بعد دمار البنية التحتية والمصانع في العاصمة.
‏حماية هذه الشاحنات وتسهيل عبورها هي مسؤولية أخلاقية ووطنية تقع على عاتقكم مباشرة.
‏إبقاء الباب مفتوحاً والمحافظة على العمق الاستراتيجي:
‏إن وادي النيل يمثل عمقاً استراتيجياً وتاريخياً لا يمكن الاستغناء عنه.
‏إن مصر أكدت مراراً وتكراراً موقفها الأخوي الراسخ والمساند لوحدة السودان وسلطته الوطنية وأمنه، مدركة أن استقرار السودان هو من استقرارها.
‏إن استقرار السودان ونموه مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بإبقاء المنافذ البرية والبحرية والجوية مع الجارة مصر مفتوحة ومؤمنة بالكامل لاجل نمو وادي النيل واستقراره.
‏إن الأمن القومي المشترك لا يتحمل المغامرات الصبيانية أو التوترات المفتعلة التي تهدف إلى عزل السودان عن محيطه الداعم الصادق.
‏إن القيادة الحقيقية تتجلى في أوقات الأزمات عبر الضرب بيد من حديد على يد كل من يستهدف قوت المواطن وصحته. أوقفوا هذه المهزلة فوراً، وأعيدوا للطريق دوليته، وللدولة هيبتها وسلطانها.

‏د محمد علي عبد الحليم ابراهيم
‏مستشار والي الخرطوم الأسبق

زر الذهاب إلى الأعلى