آخر الأخبار

السودان بين حربٍ تتكرّر وسلامٍ لا يكتمل: متى نكسر الحلقة؟

ليس قاسيًا أن نعترف بأن الحياة في السودان اليوم صارت شديدة الوطأة.

حين تتحول الحرب إلى خبر يومي، والنزوح إلى قدر، والخدمات الأساسية إلى امتيازات نادرة، يصبح السؤال عن جودة العيش سؤالًا مشروعًا، لا تشويهًا للوطن ولا إساءة لتاريخه.المشكلة ليست في توصيف الألم، بل في التوقف عنده.

فالوصف، مهما كان صادقًا، إن لم يتحول إلى وعي بالأسباب ومسؤولية عن المخارج، قد ينتهي إلى تطبيعٍ غير مقصود مع الخراب، وكأن ما نعيشه قدر لا يُقاوم.

ما يمر به السودان اليوم ليس حادثًا عابرًا، ولا نتيجة ظرف استثنائي مؤقت، بل حصيلة مسار طويل من الأخطاء المتراكمة:تفكك الدولة، تعدد مراكز القوة، غياب القرار الوطني المستقل، وتحويل السياسة إلى صفقات تُدار فوق رؤوس الناس لا بإرادتهم.نحن عالقون في حلقة مغلقة تعيد إنتاج نفسها:حرب تُنهك الدولة،ودولة ضعيفة تفتح الباب للسلاح المنفلت،وسلاح خارج السيطرة يستدعي تدخّلًا خارجيًا،وتدخّل خارجي يُنتج سلامًا هشًا،وسلام هش يُمهّد لحرب جديدة.وأي حديث عن “حل” لا يكسر هذه الحلقة من جذورها، ليس حلًا، بل تأجيلًا للانفجار.

جوهر المسألةإن كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتم دون وضوح حاسم في مسألة السلاح.فالدولة لا تُبنى بتعدد الجيوش، ولا تُحمى بالمليشيات، ولا تستقيم بسيادة منقوصة.إن وجود جيش وطني واحد، مهني، قوي، يمثل الدولة وحدها ليس خيارًا سياسيًا، بل شرط وجود.وهذا الجيش، بحكم التاريخ والشرعية الدستورية، هو القوات المسلحة السودانية التي دافعت وما زالت تدافع عن الوطن، وقدّمت تضحيات جسيمة في سبيل بقائه.وأي مشروع سلام يتجاوز هذه الحقيقة، أو يحاول الالتفاف عليها تحت مسميات التوازن أو الشراكة القسرية، إنما يزرع بذور صراع جديد، ولا يؤسس لدولة مستقرة.فالدولة لا تتعدد فيها الجيوش،بل تتوحد تحت راية جيش واحد،يخضع للسلطة المدنية،ويحمي الوطن لا ينافسه.

إنهاء الحرب لا يكون بمجرد إسكات البنادق، بل بإزالة الأسباب التي جعلت حمل السلاح ممكنًا ومجزيًا.ولا سلام حقيقي مع تعدد الجيوش،ولا دولة مع وجود مليشيات،ولا سيادة مع قرار مرتهن للخارج،ولا انتقال سياسي مع إعادة تدوير نفس الفشل تحت مسميات جديدة.هذا ليس رفضًا للسلام،بل رفضٌ لسلامٍ زائف يُدار كترتيب سياسي لا كحق إنساني،سلام يُجمّل الواقع بدل تغييره،ويطلب من الضحية التكيّف بدل إنصافها.الشعب السوداني لا يطلب معجزات.لا يطالب بمدينة فاضلة، ولا بوعود براقة.يطلب فقط ما تطلبه كل الشعوب:الأمن،العلاج،التعليم،والكرامة.

أن يعيش دون أن يكون كل صباح امتحان بقاء.والخطر الأكبر اليوم ليس الجوع وحده، ولا الحرب وحدها، بل فقدان الأمل.حين يفكر الشباب في الهجرة قبل التفكير في المستقبل داخل وطنهم،وحين تحلم الأسر بالخروج لا بالبناء،فهذا إنذار بأن الوطن ينزف بصمت.لكن هذا النزيف ليس قدرًا.إنه نتيجة قرارات، ويمكن إيقافه بقرارات أخرى، إن توفرت الإرادة والشجاعة.

السودان لا ينقصه الخير، ولا تنقصه الموارد، ولا يعوزه شعب واعٍ.ما ينقصه هو أن يُترك لأهله،أن يُدار بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة،وبمنطق المسؤولية لا بمنطق التجريب.إن كسر هذه الحلقة الجهنمية يبدأ بالاعتراف بالحقيقة كاملة،لا نصف حقيقة تُريح الضمير وتُبقي الخراب،وبالجرأة على قول:لا حرب بعد اليوم،ولا سلام يُبقي أسبابها قائمة.

هذا الموقف ليس انتماءً لحزب،ولا خصومة مع شخص،ولا مزايدة وطنية،بل دفاع عن حق شعب في الحياة.فالأوطان لا تُهزم بالحروب وحدها،بل تُهزم حين يعتاد أهلها الألم…ويصمتون.حنان خا

زر الذهاب إلى الأعلى