آخر الأخباررأي

بلد الفساد والطابور الخامس

عوض الله نواي – وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام
بورتسودان – أغسطس 2025م

بلد تحيط به الأزمات من كل ناحية، تحاصره كما يحاصر تمساح غزالًا في بطن ماء.
الأزمات ليست عابرة ولا وليدة الأمس، بل تراكمت حتى صارت مثل طبقات الطين على جدار قديم، كلما حاولت إزاحتها اكتشفت تحتها طبقة أعمق وأشد فسادًا.
من انهيار الخدمات إلى تآكل مؤسسات الدولة، من نزيف الموارد إلى تشرذم الولاءات، كل شيء هنا يوحي بأننا نعيش في دولة تستهلك ما تبقى من نفسها بدل أن تبني مستقبلها.

في السودان، لا تحتاج لبحث طويل لتجد الفساد، فهو يطل عليك من نافذة كل مؤسسة، ويصافحك بابتسامة صفراء عند كل معاملة حكومية.
الرشوة لم تعد سلوكًا فرديًا منحرفًا، بل تحولت إلى ثقافة موازية لإدارة الدولة، وكأنها “الرسوم الإضافية” التي يعرفها الجميع. من عموم التراخيص إلى المعاملات التجارية، من مكاتب الضرائب إلى موانئ الشحن، الرشوة هي كلمة السر التي تحرك المعاملات، بينما القانون يتحول إلى ديكور على جدار مؤسسة متهالكة.
يتحدث الناس عن الرشاوي والفساد يتحدث التجار عن تعطل ميناء سواكن شهر بالتمام ، يتحدث السائقين عن الرشاوي وقطاع الطرق في طرق المرور السريع ، ما الذي تبقي بربكم لم يتحدث .
دعوني أحدثكم أنا انابة عن الشعب الصابر ، عن اي دولة تريدوا ان تبنوها ، لن تبنوا كوخا واحداً دعك عن مشروع دولة ، سوف تظل هذه البلاد غارقة في مستنقعها هذا حتي يرث الله الارض ومن عليها ويلتقي هذا الشعب مع بقية الامم يوم القيامة.
هذا البلد لا يعاني من نقص في التصريحات الرسمية عن الفساد، بل من كثرتها، حتى صار كل مسؤول يتحدث عن الطابور الخامس أو المحسوبية أو الرشوة، وكأن المشكلة في كوكب آخر، لا في المكاتب التي يجلسون على رأسها.

أرقام الفساد في السودان – الحقيقة تكذب حين تتعري
• ترتيب السودان في مؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2024: حصل على 15 نقطة فقط من أصل 100، ليحتل المرتبة 170 من بين 180 دولة، في نطاق شديد الفساد دولياً.
• مؤشر “التحكم في الفساد” للبنك الدولي (2023): تبلغ قيمة المؤشر في السودان حوالي −1.50 (في مقياس من −2.5 إلى +2.5، حيث القيم السالبة ترمز إلى ضعف شديد في السيطرة على الفساد)، بينما المتوسط العالمي هو −0.04.

شهادات من قلب السلطة:
• الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء (من كلمته في القاهرة):
“هناك طابور خامس يعمل من داخل مؤسسات الدولة لتعطيل الإصلاح، بعضهم في مواقع حساسة، ويستغلون مناصبهم لحماية مصالحهم.”
• الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة:
“مؤسسات الدولة مكبلة، ويجب ذهاب كل من يُكبّل أجهزة الدولة… الدولة مكبلة بوجود الجنجويد والقحاتة.”
• الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في مؤتمر أمام الولاة:
“الواحد يعنوه وزير، يجيب أهله وحبوبته بالوزارة.”
• مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة:
“هناك موظف صغير في مجلس السيادة كنز الأموال، والآن يشتري في الأراضي.”

شهادة جماعية… إدانة موحدة

هذا ليس نقاشًا إعلاميًا أو تحليلًا معارضًا، بل اعترافات علنية خرجت من أفواه قيادات الدولة نفسها. أربعة أصوات من أعلى مستويات السلطة تتحدّث بصراحة عن الفساد والطابور الخامس والمحسوبية التي تنهش الدولة من الداخل. ومع ذلك، لم يتحرك أحد منهم للمحاسبة، وكأن الاعتراف أصبح بديلًا عن الفعل… وصمت المسؤولين الرسميين صار غطاء للفاسدين.

… الطريق إلى الهاوية

دول كثيرة سلكت هذا الطريق وانتهت للخراب التام:
• زيمبابوي: حيث استُعبِدت الدولة لصالح النخبة، وانهارت العملة، وصارت المليارات عديمة القيمة.
• الصومال: فُتّت الفساد مؤسسات الدولة حتى صارت ساحة للفوضى والميليشيات.
• لبنان: تحولت المحسوبية والرشوة إلى قاعدة، فانهارت الخدمات الأساسية، وصار المواطن يبحث عن الكهرباء والماء كما لوهما ذهبًا مستحيلًا.

إذا واصل السودان على هذا المنوال، فلن تحتاجه قوى خارجية لإسقاطه: فالرشوة والمحسوبية وحدهما قادران على هدم الدولة من الداخل.

أقوال الفلاسفة عن الفساد والمحسوبية
• أفلاطون: “أعظم الشرور التي تصيب دولة هو أن يحكمها الفاسدون.”
• مونتسكيو: “حين تُصبح الرشوة قاعدة، لا يبقى للقانون مكان إلا في كتب التاريخ.”
• ابن خلدون: “إذا فشا الفساد في الدولة، قَلَّ أن ينجو منه أحد، حتى من ظنه في مأمن.”
• سقراط: “الفساد يبدأ حين يضع المرء نفسه فوق القانون.”

زر الذهاب إلى الأعلى