البرهان.. غورباتشوف السودان؟

البرهان.. غورباتشوف السودان؟
(1)
بقلم :عمر باسان
ميخائيل غورباتشوف الذي وصل إلى سدة الحكم في الاتحاد السوفيتي، لم يكن يدرك أن على يديه ستكون نهاية دولته العظمى، ولا انهيار المنظومة الشيوعية والاشتراكية على مستوى العالم.
كان غورباتشوف أصغر الأعضاء سنا الذين تم الدفع بهم إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، وإلى مقعد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي، وإلى رئاسة الدولة، بعد وفاة عدد من الرؤساء السوفيت، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات. وذلك بعد وفاة بريجينيف في ١٩٨٢م، ثم وفاة أندروبوف في ١٩٨٤م، ثم وفاة تشرينينكو في ١٩٨٥م. لقد تم الدفع به لقيادة الحزب والدولة رغم أنه لا يمتلك الخبرة الكافية أمثال ستالين وبريجنيف وخورتشوف، بعد أن أصابت الشيخوخة كافة أرجاء الدولة السوفيتية.
غورباتشوف، الذي جاء بإجماع أعضاء اللجنة المركزية للحزب، ممثلا للطبقة الصاعدة من السياسيين الجدد، سعي إلى تجديد الروح في هذا الجسد المهترئ الذي أضعفته السنون، وعمل على دفع دماء وأفكار جديدة، بعيدا عن التكلس والجمود الذي أصاب هياكل الدولة والحزب.
طرح غورباتشوف أفكاره فيما أطلق عليه “البيروسترويكا”،
وهي كلمة روسية تعني إعادة البناء، وهي جملة من السياسات والتحولات الجذرية في توجهات الاتحاد السوفيتي الداخلية والخارجية.
جاءت سياسات غورباتشوف بنتائج مغايرة، بصورة فاقت كل التوقعات، وقادت إلى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المنظومة الاشتراكية في نهاية الأمر في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
ودعونا من خلال هذا المقال إجراء مقارنة بين سياسات وتوجهات غورباتشوف وما حمله عليها من رغبة صادقة في اللحاق بركب الغرب، وبين ما يفعله الرئيس البرهان، وما يتخذه من سياسات وخطوات، وهل ستقود إلى خروج السودان من هذه الوهدة التي ظل يعيشها منذ أن وطئت قدماه باحة القصر الجمهوري، أم سيكون على يديه دمار وهلاك السودان من حيث أنه ومن يقف من ورائه يظنون أنهم يحسنون صنعا؟
غورباتشوف، من جانبه، قام بانتقاد التجربة الاشتراكية في بلاده، وما صاحبها من عثرات وأخطاء في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية. وما قدمه لم يشكل أفكارا معارضة للاشتراكية بقدر ما كان يرمي إلى معالجة سلبيات التجربة، وتجاوز حالة الجمود الأيديولوجي داخل أجهزة الحزب والدولة، وإنفاذ سياسات إصلاح داخلية وخارجية، خاصة تجاه علاقات الاتحاد السوفيتي مع الدول الغربية. وأقرت البريسترويكا أن يتم ذلك عبر عملية ثورية، غير متدرجة، تحت اشراف الحزب الشيوعي، في إطار من العلنية والانفتاح وحرية النقد، بعيدا عن تقديس الزعامات، كما كان رائجا.
وفي إطار البريسترويكا سمح النظام بقدر كبير من الحريات والديمقراطية بصورة غير مألوفة، وتم تبني سياسة اقتصاد السوق، وتم التخلي عن نهج الماركسية-اللينينية، وإجازته في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في ١٩٨٨م. ووصلت الإصلاحات إلى درجة إجازة الدوما (البرلمان) التخلي عن الدور القائد للحزب الشيوعي، بحسب القانون، وإنهاء احتكاره لمقاليد السلطة في البلاد.
كما تم الغاء القانون القاضي بإنشاء الاتحاد السوفيتي، وأنشئ نظاما كونفيدراليا بديلا، أعطى الجمهوريات سلطات أوسع بما فيها حق الانفصال.
توالت سياسات غورباتشوف، التي كانت تجد الإجماع من الحزب الشيوعي، لتصل إلى لحظة المفارقة العملية، بين ما يدعو له نظريا، والواقع العملي في إمكانية تفكك الاتحاد السوفيتي في ظل السياسات التي تبناها، في ظل تزايد دعوات الانفصال من الجمهوريات المكونة للاتحاد السوفيتي.
حينها بدأ الانقسام داخل الحزب الشيوعي بين مؤيد ومعارض لسياسات غورباتشوف، وصلت إلى درجة محاولة الانقلاب العسكري عليه. ووصل إلى السلطة بوريس يلتسين، وانهار الاتحاد السوفيتي وسقطت الاشتراكية، ووقف غورباتشوف عاجزا عن فعل أي شيء، تلاحقه اللعنات والاتهامات بالخيانة والعمالة للغرب..
ذكرنا هذه الأحداث باقتضاب في مبتدأ مقالنا لندلل على حقيقة، يغفل عنها كثير من الناس، وهي السؤال حول هل كان غورباتشوف يدرك أن سياساته ستقود إلى تدمير الاتحاد السوفيتي، واستقلال الجمهوريات التي كانت تتبع له، وانهيار المنظومة الاشتراكية؟ وهل كان يدرك أن سياساته الاقتصادية والاجتماعية السياسية ستقود إلى مزيد من معاناة الناس، وخروجهم عليه؟ وهل كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التي أجازت هذه السياسات بالإجماع أنها سترتد عليها، وستكون سببا في انهيار الاتحاد السوفيتي؟ بالطبع لا، وإلا لكانت اتخذت مسارا آخر، وهو ما اجتهدت في الوصول إليه في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في أواخر أيامها دون أن تفلح في ايقاف انهيار الاتحاد السوفيتي، وتساقط قطع الدومينو..
نموذج غورباتشوف الذي ذكرناه، ليس استثناء، فاللجنة الأمنية التي انقلبت على نظام الإنقاذ ما كانت تدرك ما ستؤول إليه الأوضاع.
ومجلس السيادة الذي آلت إليه الأوضاع، بقيادة البرهان، يسير على ذات النهج، وهو يظن أنه يحسن صنعا.
والرئيس البرهان الذي وجد نفسه في موقع الرجل الأول في الدولة، بين عشية وضحاها، نتيجة تقاطعات المصالح، وتباين وجهات النظر بين أعضاء اللجنة الأمنية، لم يكن اللاعب الأساس الذي صنع مشهد الانقلاب على البشير، بل إن المجموعة المتآمرة التي فعلت ذلك سرعان ما وجدت نفسها خارج الملعب السياسي، وبالكاد استطاعت أن تنجو بنفسها إلى خارج البلاد، أو انزوت إلى ركن قصي بعيدا عن صولجان السلطة وزخرفها، وصارت نسيا منسيا..
ونواصل..


