رأي

هل يمكن تغيير سلوكيات القادة للإسراع في إتخاذ القرارات الأكثر إيجابية ؟؟؟

هل يمكن تغيير سلوكيات القادة للإسراع في إتخاذ القرارات الأكثر إيجابية ؟؟؟
بقلم :د. عبدالرحمن السلمابي

و لعل من محاسن الدراسات الأمريكية تكمن في المنهجية التكاملية بين كافة الدراسات العلمية و الإنسانية و ربطها لتفسير الظواهر … و لذلك نجد ان دراسة العلوم السياسية أخذت في التطور لتشمل ضم الكثير من الدراسات الأخرى لحظيرتها… حيث حظيت منذ السبعينات من القرن الماضي بدراسة ما يعرف ” بعلم النفس السياسي ” المهتم أكثر بدراسة سلوكيات القادة و تفسيرها حسب مقتضيات و منهجيات دراسة علم النفس …
و لعل تداعيات فضيحة وترقيت و محاولة تفسير حدوثها قاد للتعمق في دراسة سلوكيات الرئيس الأسبق نيكسون … و الدراسة لشخصية و سلوكيات نيكسون كانت متعمقة جدا بحيث بحثت فيهما منذ نشأته لكافة المؤثرات النفسية … وقد كانت دكتورة برودي من أوئل من لهم قصب السبق فيها … و كان محور التساؤلات من الباحثين و العلماء في السياسة و رجالات الإعلام هو لماذا لم يتخلص الرئيس نيكسون *فورا* من أشرطة التسجيل غير القانونية و التي بحوزته و تدينه و هو الرجل القانوني؟ أو لماذا تأخر الرئيس من إبادتها فور علمه بالإتهامات حولها حتي تتمكن النيابة و الشرطة الفيدرالية من التفتيش و الحصول عليها كأدلة دامغة لادانة الجرم ؟؟؟ و الذي تبعه إجباره على تقديم إستقالته من الحكم كأول سابقة في التاريخ الأمريكي لإقالة رئيس أمريكي منتخب عبر محاكمته بواسطة مجلس الشيوخ …
و بالرغم من كثرة الفرضيات و في مختلف المناحي لكن يبدو أنه من أهم المخرجات في علم النفس السياسي تكمن في تعميم تأطير سلوكيات القادة سواء في السياسة أو الإدارة أو المجتمع من حيث المبادرة الإيجابية و الإسراع في إتخاذ القرارات و ما يعرف وصفه ب (Proactive leader) في مقابل السلبية أو إنتظار فعل الغير و التصرف وفق ردود الأفعال لأفعالهم أو ما يعرف ب ( Reactive leader) … و قد يكون أبلغ وصف لسلوكيات الفئة الأخيرة ما يعرف بسلوكيات “رجال الإطفاء” حيث الإطفائي مطلوب منه دائما التحرك السريع بعد حدوث الحريق ليقوم بإخمادها …
بالطبع الدراسات تعمقت نحو دراسة القادة المبادرين الإيجابين (Proactive leader) و لاحظت تدرج فعاليتها عبر السنوات و أثبتت بلوغ فعاليتها القصوي التي تحدث لمن هم في حقبة الأربعين من العمر ،أو أقل، نتيجة فعالية حماس الشباب و تقل بعدها تدريجيا إلى أن تتحول إلى النقيض السلبي مع تقدم العمر كظاهرة طبيعية…
لقد تفاعلت مع مخرجات هذه الدراسات السلوكية معظم قادة الأحزاب السياسية في الديمقراطيات الراسخة و خصوصا عند توأمتها مع مفهوم صراع الأجيال ما بين المخضرمين و الشباب، فكانت المنطقة الوسطى هو الدفع بقادة جدد في حقبة الأربعينات من العمر … لذلك قد نجد ان ديدن حزب المحافظين البريطاني هو الدفع لقيادته بواسطة شباب مثل كامرون هدسون و غيره و حزب العمال بتوني بلير و الأحزاب الفرنسية بشباب مثل ماكرون و ساركوزي و قد نجد نفس الديدن في كندا و أستراليا و غيرهما …
و يلاحظ إن كل أحزابنا السياسية لم تستفيد كثيرا من مخرجات هذه الدراسة العلمية بالرغم من أنه كان لنا فيها قصب السبق العملي منذ منتصف الستينات حيث كان كل قادة ثورة أكتوبر عام ١٩٦٥م في هذه الحقبة الزمنية من العمر مثل الترابي و عبدالخالق و الصادق المهدي الذي تولى رئاسة الوزراء و هو في حقبة الثلاثينات من العمر … ثم حتى كذلك كل قادة إنقلاب ثورة مايو و إنقلاب ثورة الإنقاذ كانوا في تلك الحقبة العمرية … و الواضح للعيان أننا تأخرنا كثيرا عما كان من قبل حيث جل قادة أحزابنا اليوم في حقب الستينات و السبعينات و حتى الثمانينات من هذه الفئات العمرية و نتمني الإنتباه لذلك مستقبلا ان أردنا الإصلاح…
و ظاهرة التحرك الإيجابي الإبتدائي أو “القبلي” في إحداث الأفعال في مقابل التحرك السلبي عبر الإستجابة الآحقة كردود للأفعال،،، ظاهرة سبق فيها المجال الطبي دراستها و تنفيذ تبنيها قبل العلوم السياسية بحقب زمنية مقدرة … حيث تبنت مفهوم الطب الوقائي في مقابل الطب العلاجي و أثبتت التجارب الواقعية حصافته و تفوقه من حيث تقليل الكلفة المادية و البشرية … فمثلا حملات رش البعوض و الذباب كعمل أيجابي إستباقي يقلل كثيرا ، ان لم يمنع ، من الإصابة بأمراض مثل الملاريا و الدوسنتاريا التي تطلب تدخل الطب العلاجي، اللآحق حين الإصابة به مع كلفتة العالية المعروفة … لقد سبق و ان دحرت ولاية الخرطوم مرض الملاريا عبره و نتمني حذو الولايات الأخرى حذوها مستقبلا … و لعل أيضا حملات التطعيم ضد الأمراض الفتاكة يدخل ضم منظومتها فإختفت عبرها كثير من الأمراض مثل الجدري و شلل الأطفال و غيرهما … و لعل أبلغ مثال من سلوكيات القادة الإيجابي الإستباقي في المجال الطبي يكمن مؤخرا في التطعيم ضد مرض الكورونا (الكوفيد 19) الفتاك الذي كاد أن يؤدي الى هلاك البشرية جمعاء حيث تم دحره بنجاح عبرها …

لعل ذلك يبين تقليل التكلفة الإقتصادية كثيرا جراء مخرجات السلوك القيادي الإيجابي من السلوك السلبي …
و بالعودة إلى السؤال المطروح لعنوان هذه المقالة من حيث إمكانية تغيير سلوكيات القادة لتكون أكثر إيجابية للتفاعل مع الاحداث ربما قد تكون الإجابة صادمة بالنفي… حيث تلك السلوكيات صارت جزء من مكونات شخصية القادة السياسيين مما يصعب معه تغيرها …
و لكن يمكن إحداث تاثيرات عليها عبر المؤسسية و الديمقراطية لتكون أكثر إيجابية …
فإذا أنزلنا تطبيقات تلك النظريات السلوكية على بعض الرؤساء الأمريكان فقد نجد أن الشباب منهم مثل كنيدي و اوباما أكثر مبادرة و إيجابية في تعاطي الشأن العام و تتفاعل معهم إيجابيا المؤسسات مثل الكونجرس و الوزارات المختلفة و حتى السلطة الرابعة من صحافة و إعلام و كذلك الجمهور عبر إستطلاعات الرأي العام .
أما الرؤساء من الفئات العمرية أو السلوكية الأخرى أمثال ريغان و بايدن الرئيس الحالي فقد تحركهم المبادرات المؤسسية و تجعل ادائهم أكثر إيجابية عبر التعاطي مع ردود الأفعال و يقوم بإطفاء حرائقها …
أما النظام الديمقراطي المتبع هنالك قد يفعل فعل السحر في التحرك نحو المزيد من الإيجابية و خلق المبادرات الفاعلة و الفعالة … فقد لاحظ علماء السياسية أن كل طموح الرؤساء كقادة سياسيين يكمن في إمكانية الفوز بالفترة الرئاسية الثانية التي مقدارها أيضا (٤) أعوم … لذلك تجد كل سلوكيات الرؤساء القادة منصبه نحو المحور الإيجابي في خلال السنتين الأوائل من عمر الفترة الرئاسية الأولى،،، و بعدها يتم التفرغ للحملات الإنتخابية للفترة الثانية … و كذلك محاولة العمل السياسي الإيجابي عند إنقضاء عامين من الفترة الثانية ليخلد بعدها الرئيس بصورة إيجابية في ذاكرة تاريخ حكم الشعب الأمريكي…
المهم هو في حالة إنعدام روافع الإيجابية عبر المؤسسية و الديمقراطية فمن الأفضل للقادة الإعتماد كثيرا على مطالبات السلطة الرابعة من صحافة و إعلام و يقرأ كثيرا من مؤشرات الرأي العام و مؤشرات معدلات إرتفاع و إنخفاض الشعبية ليكون أكثر إيجابية لتعاطي الحكم و الشأن العام … و لعل سلوكيات و نفسيات عموم الشعب تتوقع من القيادة السياسية إتخاذ الخطوات الإحترازية اللازمة لمنع قيام الحريق ابتدأ لا العمل على إطفائها و أخمادها لاحقا ،،، و لعل كما قيل في باب الحكم “أن معظم النار من مستصغر الشرر” …
و الله المعين و المستعان …

،

زر الذهاب إلى الأعلى