أيهما أصدق ، بنت إبليس أم الوزير الدليس ؟

د. الباقر عبد القيوم علي
قد يبدو العنوان مستفزاً ، ولكنه يحمل مقارنة تستحق أن نتأملها ، فمعظم الناس إعتادوا أن يحكموا على الأشياء بوجودها المادى أمامهم وليس بالأثر الذي تتركه كواقع محسوس ومملموس ، مع أن الحياة علمتنا أن الأثر هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن ان ينكرها أحد .
فبنت إبليس نذكرها في الموروث الشعبي ، بوصفها كائن وهمي لا يراه أحد إلا في الحلم ، وقد يختلف الناس في حقيقة وجودها أصلاً ، ومع ذلك ، فإن من يدعي لقاءها لا يختلف معه إثنان على ما يترتب بعد ذلك من أثر مادي ، وحكم شرعي معلوم ، ونتيجة لا تحتاج إلى جدل ، سواء صدق الناس الرواية أم لم يصدقوها ، فإن الأثر هو الذي يمنحها معناها الوجودي بما خلفته من حقيقة ماثلة ، وأثر معنوي وحسي على من زارته .
وعلى الضفة الأخرى، يقف بعض المسؤولين من لحم ودم ، تحيط بهم الكاميرات ، وتلاحقهم التصريحات ، فجودهم لا يحتاج إلى دليل ، فهم يملؤون المنابر بكثرة الكلام ، ويشغلون الناس بالإدعاءات ، ولكن إذا بحثت عن حصاد وجودهم فلن تجد إلا صفراً كبيراً ، وفراغاً يلبس ثوب الإنجاز ، فما أكثر كلامهم وما أقل فعلهم .
وهنا تكمن المفارقة ، فالوهم الذي يترك أثر يصبح أقرب إلى الحقيقة من حقيقة لا تترك أي شيء ، فما قيمة هذا (المنصب) إذا كان حضور من يشغله لا يختلف عن غيابه ؟ ، فإذا غاب الأثر ، فقد غابت الوظيفة ، حتى وإن بقي الكرسي مشغول بمن يجلس عليه .
أما الوزير الدليس ، فقد أتقن صناعة واحدة لا ينازعه فيها أحد ، وهي الكذب ، ومن الطبيعي أن يكذب المرء على الناس طمعاً في أن يصدقوه ، ولكن أن يكذب على نفسه، فتلك حالة مرضية يصعب أن نجد لها وصف ، فكلما قل العمل ، كثرت الثرثرة ، وكلما انعدم الإنجاز ، إشتد الحسد لمن ينجز ، ولذلك نجده لا يملك إلا مراقبة الآخرين وهم يصنعون الأثر ، بينما يكتفي هو بصناعة الأوهام ، وهكذا تصبح الحقيقة الوحيدة التي ينتجها هذا الدليس هي الكذب ، فهو ليس له أثر يُذكر ، ولا إنجاز يُرى ، ولهذا لا يُوجد في رصيده إلا الادعاءات والبطولات الوهمية .
ومن هذا الباب أتت المقارنة بين الإنسان والوهم ، وبين الأثر وعدمه ، وبين بنت إبليس وسعادة الوزير الدليس ، فبنت إبليس هي مجرد خيال ، ولكن نتيجة ما تخلفه من أثر ، واقع واضح ويعرفه جميع الناس حتى أصبح أثر ما تخلفه شرط شرعي من شروط التكليف ، أما الوزير الدليس فهو واقع فرضته الضرورة ، ولكن لا يعرف الناس له أي أثر إلا في حضوره المهزوز في أروقة الإعلام .
التاريخ لا يحفظ الصخب ، ولكنه يسجل أسماء الذين تركوا في حياة الناس أثر ملموس ، أما الكذب فقد ينتصر للحظة ، ولكن قناعه سيسقط سريعاً ولا يلبث كثيراً أمام الحقيقة ، ومن هنا تبدو المفارقة ، وإن كانت صادمة ، فإنها منطقية ، فالوهم الذي يترك أثر هو أصدق من الحقيقة المملموسة التي لا تنتج إلا كذبة كبيرة ، وصفر أكبر منها ، فالحقيقة هي ليست أن يكون الشخص موجود على ارض الواقع ، ولكن هي أن يكون لوجوده معنى .
وسنواصل ، فالحكاية لم تبدأ بعد.
نصر من الله وفتح قريب وبشر الصابرين
elbagirabdelgauom@gmail.com


