تحول أوروبي لافت نحو إعادة الانخراط مع الحكومة السودانية

يأتي التحرك الأوروبي الأخير تجاه الحكومة السودانية في توقيت محسوب بدقة، ويفتح الباب أمام قراءة أعمق لدوافع بروكسل السياسية والأمنية في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل التحولات الميدانية والإقليمية المتسارعة.
1. إدراك أوروبي لتغيّر موازين القوى على الأرضخلال الأشهر الماضية، فرضت مؤسسات الدولة السودانية حضورها كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية أو ترتيبات مستقبلية.
هذا الواقع دفع الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم مقاربته السابقة، والانتقال من سياسة المراقبة والضغط غير المباشر إلى الانخراط المباشر مع الحكومة الشرعية باعتبارها الجهة القادرة على ضبط المشهد وحماية وحدة الدولة.
2. فشل الرهانات السابقة وضرورة تصحيح المسارالاتحاد الأوروبي، شأنه شأن أطراف دولية أخرى، أدرك أن تجاهل مؤسسات الدولة أو الرهان على مسارات موازية لم يُنتج استقرارًا، بل ساهم في تعقيد الأزمة. ومن هنا جاء التوجه لـ«فتح صفحة جديدة» عبر استعادة قنوات التواصل الرسمية والعمل مع الحكومة السودانية بدل تجاوزها.
3. المخاوف من الفراغ الأمني وتوسع النفوذ الخارجيالتصعيد الأمني في الإقليم، وتزايد أدوار قوى دولية وإقليمية منافسة، شكّل عامل ضغط إضافي على بروكسل. فالغياب الأوروبي عن السودان أفسح المجال لفاعلين آخرين، ما جعل الاتحاد الأوروبي يسعى للعودة كلاعب مؤثر يحمي مصالحه، خصوصًا في ملفات الهجرة غير الشرعية، والإرهاب، وأمن البحر الأحمر.
4. بورتسودان كمركز قرار جديداختيار بورتسودان محطة لهذا الانفتاح ليس تفصيلاً عابرًا، بل اعتراف ضمني بمركزية المدينة كمقر فعلي لإدارة الدولة في المرحلة الحالية. كما أن الحديث عن إعادة فتح بعثة الاتحاد الأوروبي في بورتسودان أو الخرطوم يعكس استعدادًا أوروبيًا للتعامل مع الواقع السياسي كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
5. تمهيد لمرحلة سياسية جديدةالتحضير لزيارة المبعوثة الأوروبية للقرن الأفريقي، أنيت ويبر، يشير إلى رغبة بروكسل في لعب دور مباشر في ملفات السلام والاستقرار، ولكن هذه المرة عبر بوابة الحكومة السودانية، لا من خارجها.
خلاصة المشهدالتحرك الأوروبي ليس مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف سياسي متأخر بحقيقة أن استقرار السودان لا يمكن تحقيقه دون شراكة مباشرة مع مؤسسات الدولة. وهو تحول يعكس تراجع الأوهام السابقة، وبداية تعامل أكثر واقعية مع معادلة السيادة والأمن الوطني، في ظل صمود الدولة السودانية وإصرارها على فرض النظام وحماية وحدة البلاد.


