شنب الأسد.. الفاشر حين تصبح أنياب الوطن

عوض الله نواي – وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام
بورتسودان – أغسطس 2025م
شنب الأسد… لقبٌ لم يُمنح للفاشر مجاملة، ولا زينة في معجم الحروب، بل جاءها من صميم المعركة، ومن رائحة الدم الممزوج بالغبار. في قاموس الطبيعة، شنب الأسد هو النقطة الأشد حساسية في وجه الأسد، لا يجرؤ على لمسها إلا من أراد أن يُفتك به في لحظة. ومن يقترب منها يُمزّق، وتتهشم عظامه حتى تصير كالرماد. هكذا أصبحت الفاشر في وجدان الحرب: شنب الأسد الذي يختبر جرأة كل من يقترب منه.
ما لا يعرفه كثيرون أن مليشيا الدعم السريع، التي كانت تتباهى بوفرة جنودها وعتادها، قد فقدت معظم قوتها الفاعلة في المعارك الطويلة، خاصة القوات التي صنعت وهم القوة لدى دقلو، فدفعته إلى مغامرة الانقلاب على الدولة. لكن تلك القوة ذهبت مع الريح، وأصبحت المليشيا تعتمد على تشكيلات سموها “المجموعات”، وهي خليط من مقاتلين جندهم شيوخ العشائر من قبائل كردفان ودارفور. لكل مجموعة رقم، لكن الرقم هنا لا يعني خبرة ولا قيادة، بل عنوانًا فارغًا لمقاتلين بلا تدريب حقيقي ولا وعي بفنون الحرب.
ولأن الجهل بفنون القتال لا يصنع نصرًا، استوردت المليشيا مرتزقة من كولومبيا لتلقين هؤلاء أساسيات استخدام السلاح، وكأننا أمام مسرحية ساخرة: رجال قُطعت عنهم جذورهم القتالية، يستعينون بأجانب ليدرسوا “أبجدية الحرب”. وهذا وحده يكشف أن الدعم السريع، في أساسه، كان قائمًا على ضباط من القوات المسلحة السودانية تم انتدابهم قبل الحرب لتدريب مقاتليه، وأن المليشيا لم تكن يومًا قادرة على إنتاج مقاتلين بمستوى احترافيتها المزعومة.
لكن هذه “المجموعات” واصلت الاقتراب من شنب الأسد، مرة تلو أخرى، في نوع من الحماقة التي لا تُفسر إلا برغبة في الانتحار الجماعي. كل هجوم ينتهي بنفس المشهد: قتلى يُجمعون على عجل، جرحى يصرخون طلبًا للإسعاف، والبقية يفرون كما يفر الصحيح من الأجرب، يلتفتون خلفهم أكثر مما ينظرون أمامهم.
اليوم، أضافت القوات المشتركة للفاشر صفحة جديدة في دفتر البطولة، لتسطر الملحمة رقم (228) في سلسلة هجمات المليشيا. سلسلة أصبحت طويلة لدرجة أن من يتابع المعارك لم يعد قادرًا على حصرها. وقبل هذه الملحمة، كانت هناك معارك أخرى شارك فيها المرتزقة الكولومبيون، وانتهت قصتهم جميعًا على أسوار شنب الأسد، بلا ناجٍ واحد، تاركين خلفهم صور أزواجهم وأطفالهم متناثرة وسط الغبار والدم، وكأنها تذكارات حرب يقرأها الجنود في لحظة استراحة.
الفاشر، منذ عامين وخمسة أشهر، تعيش على إيقاع الحصار، لكن رجالها ونسائها لم يفقدوا الثبات. هناك فتية أصبحوا جزءًا من تضاريس المدينة، وجوههم مسمرة بالشمس، وعيونهم حادة كسيوفهم، يؤمنون أن قضيتهم عادلة، وأن مدينتهم تستحق الصمود، فزادهم الله إيمانًا وثباتًا. حتى الصبر نفسه، لو كان بشرًا، لوقف مبهورًا أمام صبرهم.
آن أوان كسر هذا الحصار المقيت. آن أن تتحرك الجيوش من كل فج عميق، من سهول دارفور وصحاريها، ومن فيافي كردفان البعيدة، لتزحف نحو الفاشر زحفًا يشبه طوفانًا بريًا. آن أن يعانق غبار أقدامهم وعجلات مركباتهم السماء، وأن ترى المليشيا أن شنب الأسد ليس مجرد استعارة لغوية، بل جرح قاتل في جسد المعتدي، من يقترب منه يدفع ثمنًا لا يُحصى.
الخاتمة والنصيحة
إلى أسرة دقلو… الحرب بلغت نقطة اللاعودة، والدماء التي سالت تكفي لأن تكون لعنة تطارد اسمكم جيلاً بعد جيل. أمامكم خياران لا ثالث لهما: أن تواصلوا العناد حتى يبتلعكم شنب الأسد كما ابتلع آلاف المقاتلين قبلكم، أو أن ترفعوا الراية البيضاء اليوم قبل الغد.
استسلموا… ليس خوفًا، بل حفاظًا على من تبقى من دماء أبنائكم وأبناء السودان. توقفوا عن إرسال شباب القبائل إلى مقصلة لا عودة منها، وأوقفوا تحويل أرض السودان إلى مقبرة جماعية. فالتاريخ لا يغفر لمن تجاهل نداء العقل، والشعب لن يصفح عمّن أصرّ على صناعة المأساة بيديه.


