ما بين باريس والخرطوم… قلب لا يعرف الحياد (3)

بقلم: د. ميادة الطيب البدوي – باريس
أحياناً، حين أنظر في المرآة، لا أرى وجهي… بل أرى خريطة.
جبهتي صحراء باردة، وعيناي نهران يبحثان عن المصب، وشفتاي خطوطٌ من قصيدة لم تكتمل.
وحدها الروح هي التي ما زالت تحمل بين جنبيها صوت أمّي وهي تقول: “البلد ما بتمشي إلا بالناس الكويسين يا بتّي”.
أبتسم، ثم أبكي.
هنا في باريس، الوقت يمضي على مهل، كأنه لا يثق بنا نحن الغرباء.
في بلادي، الزمن يركض بلا ساقين… يركض خوفاً، وركضه موجِع.
أقول لنفسي كل صباح: يا ميادة، تذكّري من أين بدأتِ الكتابة…
من تلك الورقة القديمة في حوش المدرسة، حين بكيتِ لأن المعلمة قالت لك: “عندك شي تقوليه؟”، فقلتِ: “عندي وطن ما بعرف كيف أشرحو”.
**
الأدب لا يُكتب في المقاهي الهادئة فقط، بل يُكتب حين تعود من المقبرة دون أن تكتب على قبر من تحب شيئاً، لأن الرصاص لا يسمح لك بتوديع الموتى.
الأدب يُكتب من دمعة سقطت في صمت حين سمعت أن بيت جارتكم احترق، وأن شجرة الليمون التي زرعتها أمّك ماتت بعد أن نزحتم.
أنا لا أكتب لأنني مثقفة، بل لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي بقي لي حين خذلتني اللغة في حضرة الألم.
حين سألتني صديقة فرنسية مرة: “لماذا تكتبين دائماً عن الحنين؟”
قلت: “لأنني أكتب من بلد لا يشبهني، عن بلدٍ لم أعد أعرفه”
**
الخرطوم ليست مدينة فقط.
هي رائحة شاي بالنعناع عند السادسة صباحاً.
هي أغنية قديمة على راديو مُتعب.
هي يد جدّتك التي تحكي لك القصص وتضحك وهي تكرر كل جملة مرتين.
هي اللهفة التي تشعر بها حين تسمع كلمة “يا زول” وسط باريس… فتنظر تلقائياً، كأن اللغة نادتك باسمك الأول.
**
المنفى لا يبدأ في المطار. المنفى يبدأ حين تضطر أن تشرح للعالم أن ما يحدث في بلدك ليس فيلماً من إنتاج هوليوود، بل حقيقةٌ تعيشها كل يوم.
المنفى هو أن تتعلّم كيف تبتسم بلغةٍ لا تُجيدها، فقط لأنك لا تريد أن تسأل كثيرًا… ولا تريد أن تُجيب كثيرًا.
**
ليس كل من يعيش خارج الوطن سعيد.
وليس كل من بقي في الوطن قادر على الاحتمال.
الشتات لا يُقاس بالمسافة، بل بعدد المرات التي اضطررتَ فيها أن تقول: “أنا بخير”، وأنت تنزف.
العودة؟
هي ليست تذكرة طيران.
العودة أن نصلح ما كُسر فينا… قبل أن نعود.


