ما بين “عمود الاستبالية ” و ” زوادة سفر القطار “

ما بين “عمود الاستبالية ” و ” زوادة سفر القطار ”
بقلم : محمد الأمين أبوالعواتك
أرسل الي الصديق العزيز مصعب الصاوي تعليقا علي ما كتبت من نوستالجيا قبل أيام بعنوان ( من بف نفسك يالقطار) قائلا:
” القطار فعلا ليس وسيلة مواصلات بل حكاية تفتح نوافذها على الذاكرة والوجدان “..
فتذكرت ما كتبت قبل مدة في ذات الرجعي و الحنين عن ” زوادة سفر القطار ” وعن ما يحمله المسافر من زاد ليعينه في الطريق هو واسرته والتي كنت قد كتبتها اثر تداعي الاخ طارق جبريل عن حكاية ( عمود الاستبالية ) و هذا العمود هو عنوان يحتاج شرحا لاجيال هذه الايام عن الايام الخوالي ..
فالاستبالية هي المستشفي أما العمود فهو الانية التي كان يحمل فيها الاكل وهو ( هوت بوت) ذلك الزمان في حمل ( الاكل الماخمج) الذي كان يصنع بكل المحبة ويعبأ بصدق مشاعر الوداد وكان منظرا مألوفًا عند بوابة المستشفيات تحمله الامهات او الابناء والبنات معبأ باطيب انواع (المحاشي واللحوم والسلطات والملحات) وكان من علامات المحنه والواجب الذي تقوم به الاسر لبعضها البعض او للاهل المحولين لمستشفيات مدن اخري ليصير واجب اهلهم في تلك الانحاء يوميا بلا تأخير دعما و مساندة لمرافقين المريض وخاصة اهله ( الممارضين ) وهو ارث اجتماعي اضمحل مع تطور الحياة و صعوبتها وتدهور المستشفيات الحكومية و صعود الخدمات الطبية الخاصة لكن لاتزال جمرته متقدة في بعض انحاء بلادي و قليل القابضين علي جمر المحنة..
و كان السرد عن الاعجاب وحكايات الموده والحب الذي ينشأ وتتفتح براعمه بين ثنايا هذه الاجتماعيات وتوقفت عند حكايات “الممارضين اهلهم” او من يقومون بواجب المسانده والمحنة وهي فعلا من حكايات بلادي الاصيلة وهكذا كانت معظم البدايات الأثيرة لكثير من الزيجات..
في أطعم حكاوي الحياة والاهم تلك القدرة علي إنجاب الفرح حتي من وسط المعاناة..
لا ادري تذكرني تلك الممارضة او تلك التي تحمل العمود مع والدتها ( بعزيزة سعد الدين ابراهيم)
التي غاص وصفا في ادبها وعزتها وجمالها..
العزيزة الما بتسأل عن ظروفنا
الوحيدة الطال عشان جيتك وقوفنا
الوحيدة الما بتحاول يوم تشوفنا
المواعيد لسة حزنانة بتنادي
والأماسي بتبكي في أسى ما إعتيادي
ما كنتي بهجتا براوئع قوس قزح
والله ما طلانا من بعدك فرح
سلميلنا على ضفايرك موجة موجة وكلميها
قولي ليها حرام تتوه فيها المواسم ونحنا بالجد نشتهيها..
سلميلنا على عيونك يوم تسهي تغروديها
ويبقو تفاحتين خدودك بس خدودك وين شبيها
سلميلنا علي يدينك وشملة الريد أنسجيها
سلميلنا علي خطاكي عزة العاملة ومشيها
والله أحضانك بلد يا حلوة ما تنسينا فيها
و هو تداعي استدعي تداعي اخر وهو (زاد سفر القطار ) لمن أسعده الحظ مرارا بمعايشة تلك النوستالجيا..
عندما كانت البلد..بلد
تحجز تذاكرك نوم او درجه اولي او حتي درجه تانية او تالته دي كمان كانت طاعمة خلاص
للناس الكانت بتسافر عليهو مسافات طويلة وتقضي فيهو الليالي..وكمان لمن يتعطل القطر..
استمتعنا جدا بسفر القطر ومنذ صغري كنت معجبا بمفتش القطر واللباس الرسمي الكاكي والبرنيطة والبطارية الفضية الطويلة والجدية والحسم … والمشهد الفريد العالق بالذكراة المهترئة في المحطات وتجمع باعه كل محطة وقرية بأشكال وأنواع المنتجات وخاصه في خطوط كردفان الخير ..وحتي اليوم لا ازال اذكر اسماء المحطات كسليمة والوساع والرهد وكل تلك الربوع الوادعه .. لاسيما زمان الخريف…فالقطر يهدي من سيره وسرعته أوقات المطر ويتهادي مع صفيره المتقطع والجميع مستسلمين لذلك الرزم لحركته..
اجمل حاجه كانت زوادة السفر وبداية تجاذب أطراف الحديث ومن ثم التعارف بين عوائل واسر السودان الكبير ..
كل بحكايته وخلفياته و مقصده …
والمائدة المشتركة والوجبة الجماعيه من خليط الزودات فتكون في رحلة واحدة قد تذوقت جميع نكهات ووجبات اهل السودان..
وأريحية أهله كرما حتي للغريب و المسافر وحيدا..
ومنذ بداية الرحلة تلتقي النظرات بذاك البريق في لحظة ..
ثم يحول التركيز سريعا لشي اخر او خجلا .. واستراقها النظر كلما تحين الفرصه او حتي كثرة تبسمها لمن هم في محيطها وانت تعلم بأنك المقصود..
ثم تبرعك بالمساعدة لها ولأسرتها كلما لاحت الفرصة في تحويل غرض او جلبه بكل همة حتي لو قطع قلبك من كبر حجمه او ثقل وزنه..
وفي احيان كتيرة شكلت هذه اللحظات بداية حياة وأسر ونسجت وجدان اهل السودان قربي ومحبة
ماذا أصبنا !؟
راينا في كل الدنيا حاله واحدة هي تقدم كل مجتمعات الدنيا الي الامام الي دول متطورة ببنياتها الاساسية الحديثة ….
الا نحن اهل السودان ..
الامة الوحيدة التي كانت متقدمة واتجهت بسرعه الصاروخ للحضيض..
الا نتدبر ؟!
والقطار المرا فيهو مر حبيبي ..


