تقارير

فرقتهم المذاهب وجمعتهم الظروف وتكالب الأعداء باكو .. تعيد العلاقات السودانية الإيرانية

أبو باسل الوطن:

تقرير :الوطن

*(٧) سنوات قطيعة

عقب (٧) سنوات من القطيعة الدبلوماسية شهدت العاصمة الأذربيجانية (باكو) عودة العلاقات السودانية الإيرانية التي مرت بفترات تباعد لدرجة القطيعة وتقارب وصل حد التحالف الإستراتيجي بين الدولتين صاحبتي المذاهب المختلفة بعدما جمع بينهما تشابه الظروف والأعداء وخلال الأيام الماضية اكد السودان وايران علي أهمية عودة العلاقات الدبلوماسية بينهما جاء ذلك على هامش مشاركة وزراء خارجية البلدين في الإجتماع الوزاري لحركة عدم الانحياز بالعاصمة الأذربيجانية (باكو) حيث التقي السيدان السفير على الصادق علي وزير الخارجية السوداني المكلف بنظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان حيث تباحث الطرفان في شان إعادة العلاقات بين البلدين في أقرب الآجال بما يعود بالمنفعة للبلدين وتم التأكيد من الجانبين على أهمية ان تعود العلاقات السودانية الإيرانية الي سابق عهدها بما يُمكن البلدين من الاستفادة من فرص التعاون المشترك في شتى المجالات

*دور الخليج في المقاطعة

في حرب الخليج الأولي شارك السودان بقوات ضمن صفوف الجيش العراقي مما أدي الي قطع العلاقات مع إيران واستمرت المقاطعة حتي عام ١٩٨٥م وعقب الانتفاضة التي اسقطت حكم النميري عادت العلاقات السودانية الإيرانية لطبيعتها وتم التبادل الدبلوماسي بين البلدين وبعد أن كان الرئيس جعفر نميري قطعها عقب قيام الثورة الإيرانية وإعلان صدام حسين الحرب ضد إيران بإيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية وبعد عودة العلاقات فتحت إيران المكتب الثقافي الإيراني في الخرطوم بهدف توطيد العلاقات الشعبية بين البلدين وكانت العلاقة مدعومة من قيادات حزب الأمة الذين كونوا جمعية للصداقة السودانية الإيرانية برئاسة الدكتور الطيب عبد الرحيم مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاجتماعية حينها فإعتقدت إيران أن حزب الأمة هو الأقرب لها لكن تشاء الصدف أن حزب الأمة هو من قام بحل الجمعية ففي عام ١٩٨٧م أراد السيد الصادق المهدي زيارة عدد من دول الخليج وقبل الزيارة بأسبوع قام بحل جمعية الصداقة السودانية الإيرانية بقرار من وزيرة الشؤون الاجتماعية الأستاذة رشيدة إبراهيم عبد الكريم دون توضيح الأسباب التي أدت لاتخاذ ذلك القرار رغم أن الجمعية كانت مسجلة بشكل قانوني ولم تتجاوز أو تنتهك حرمة القانون ولكن فهم القرار في ذلك الوقت بأنه اتخذ من أجل طمأنة الحكام الخليجيين في أن العلاقات السودانية الإيرانية لن تكون خصماً على العلاقة مع دول الخليج خاصة أن حكومة الصادق المهدي كانت تبحث لها عن تمويل وبعد إنقلاب الإنقاذ عام ١٩٨٩م تم أعادة الجمعية بمكتب تنفيذي جديد جميع عناصره من الجبهة الإسلامية القومية وكان أبرزهم السيد أمين بناني نيو الذي تولي رئاسة الجمعية

*كسر الحصار

في عام ١٩٩٧م حينما اشتد الحصار علي السودان قام الرئيس محمد خاتمي بزيارة للخرطوم ليكسر بها طوق الحصار الذي كان مضروبا على الخرطوم من قبل الغرب والولايات المتحدة وعدد من الأنظمة العربية وأولهم النظام المصري السابق ثم جاء توقيع البرتوكول السوداني الإيراني وهو برتوكول عسكري امني في عام ٢٠٠٨م بين النظامين يومها قال الرئيس الإيراني: إن إيران والسودان سيدافعان عن العالم الإسلامي في وجه الضغوط الغربية وإن البلدين سوف يتعاونان في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعمل في المجالات البحثية والمهنية بينما قال الرئيس السوداني عمر البشير: «إن السودان يدعم البرنامج النووي السلمي الإيراني وأن السودان يتطلع إلى علاقات تعاون مع إيران في الاقتصاد والسياسة». وهي كلمات جاءت خالية جداً من أية إشارة لبناء علاقات إستراتيجية وإن كانت إيران فعلاً تتطلع لمثل هذه العلاقة وتجد الخرطوم صعوبة في التصريح المباشر عنها لأسباب داخلية وخارجية لكن ما هي المشكلة إذا أراد السودان أن يبني علاقات إستراتيجية مع إيران وإذا كانت العلاقة سوف تكون لمصلحة شعبه وتسهم في التنمية وارتفاع مستوى المعيشة وتعطي للسودان مكانته في المنطقة

*قصف إسرائيلي

في عام (٢٠١٢م) تعرض أكبر مصانع الخرطوم الحربية لقصف إسرائيلي بسبب العلاقات السودانية الإيرانية إذ برر الاحتلال وقتها الخطوة باحتواء المصنع على أسلحة إيرانية كان يخطط لها أن تذهب إلى قطاع غزة ويُضاف إلى ذلك عدد من عمليات القصف التي تكررت في شرق البلاد وتبنتها إسرائيل

*الأزمة الاقتصادية وقطع العلاقات

قادت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عاشتها الخرطوم آواخر سنوات الإنقاذ حيث تفاقمت أزمة العملات الصعبة وتدهور الجنيه السوداني مقابل الدولار ووصوله إلى أدنى مستوياته وتسجيل معدلات التضخم لأعلى نسبة ببلوغه (٤٦،٥) في المائة دفعت الحكومة السودانية لطرد الملحق الثقافي الإيراني وإغلاق المركز الثقافي الإيراني وإمهال الملحق وطاقم المركز العامل (٧٢) ساعة لمغادرة البلاد مبررةً الخطوة بتجاوز المركز للتفويض

الممنوح له حينها أكدت الخارجية السودانية في بيان صحافي أنها استدعت القائم بالأعمال بالإنابة لسفارة إيران وأبلغته القرار ورغم تلك التبريرات إلا أن القرار صدر بعد شد وجذب وصراعات قوية داخل الحكومة نفسها بين رافض ومؤيد للتقارب مع إيران وتأثير ذلك على العلاقات مع دول مثل مصر والإمارات والسعودية واحتدم الجدل عقب الإجراءات العقابية الصارمة التي اتخذتها الرياض في مواجهة الخرطوم ووقف كافة التعاملات المصرفية معها فضلاً عن التضييق على عملية الاستيراد ومحاولتها فرض سياج اقتصادي ضاغط على الخرطوم ولا سيما بعدما فشلت كافة محاولاتها في الحد من العلاقات الإيرانية السودانية التي أصبحت مصدر قلق بالنسبة لها وخصوصاً أن الرياض تخشى من التمدد الشيعي في السودان.

*مغازلة الرياض

التيار الداعم لبناء علاقات قوية مع دول الخليج وتحديداً السعودية وإن قاد ذلك إلى قطع العلاقات مع إيران استند علي حجم عملية المقارنة بين الاستثمارات والتبادل التجاري الخليجي والإيراني والأخير يكاد يكون معدوماً رغم الاتفاقيات التي وقعها البلدان والمتعلقة بالتبادل المصرفي ومنع الازدواج الضريبي وأخرى خاصة بالزراعة والنفط فضلا عن مشروع (إيران غاز) ومشروعات التعاون البحري والملاحة لكن العلاقات التجارية بين البلدين لا تتناسب مع مستوى العلاقات السياسية والعسكرية فضحت حكومة النظام السابق بعلاقاتها مع طهران لمغازلة الرياض ولا سيما أن القرار يحدّ من محاولات تمدد المذهب الشيعي في السودان وأفريقيا.

*نصر طائفي

لاقى قرار الحكومة السودانية بقطع علاقاتها مع إيران ترحيباً في بعض الأوساط السودانية إذ سارعت الطوائف المناوئة للمد الشيعي في إصدار بيانات تبارك خطوة الحكومة وتعتبرها جاءت في الاتجاه الصحيح وإنتصار لهم واعتبر بيان صادر عن أنصار السنة ورابطة الصوفية أن من شأن الخطوة تحسين علاقات السودان مع دول الخليج واجتثاث للمد الشيعي في البلاد وطالب الحكومة بإغلاق الحسينيات والمدارس الشيعية

*رهان خاسر

أعاد التاريخ نفسه وقطعت حكومة الإنقاذ علاقاتها مع إيران بذات الأسباب التي قطع من اجلها رئيس الوزراء الصادق المهدي علاقات السودان مع طهران وتوجهت الحكومة صوب الخليج بحثاً عن سبل تحسين وضعها الإقتصادي المتردي بل وافقت علي مشاركة قوات سودانية في حرب اليمن دون أن تجني فوائد من هذا الارتزاق فلم تطال دولارات الخليج ولا ابقت علاقاتها مع طهران والدوحة إذ بقيت الأوضاع الاقتصادية كما هي بل ازدادت سوءا والتوجه نحو الخليج افقدها افضل حليف خليجي (قطر) والطامة الكبري لم يستفيد من هذا التوجه سوي حميدتي الذي استفاد من أموال حرب اليمن في توسيع نفوذه وبها غازل الشباب الباحث عن الثراء السريع وتحسين وضعه المعيشي في غرب البلاد بل جند الشباب من بقية الولايات ثم فتح الباب مشرعا لانضمام الشباب من النيجر وتشاد وأفريقيا الوسطى ومالي وغيرها من الدول بذلك توسعت امبراطوريته المالية والعسكرية وقويت نفوذه لتستخدمه ذات الدول التي باعت الحكومة بسببها (إيران وقطر) كبازي لصيد الحكومة نفسها فسقطت ليتحول حميدتي الي ألد أعداء منسوبي ذات الحكومة التي رضع من ثديها .

*مقاطعة طهران تعني السقوط

في ظل الاحتراب داخل عاصمة البلاد بسبب الدعم الخليجي الذي لم يقدر ما قدم السودان لهم بماذا تأتي خطوة التصحيح هذه وفي البال أن جميع الحكومات التي قاطعت طهران سقطت اولهم جعفر نميري الذي حارب طهران ضمن قوات صدام حسين حيث سقط بثورة شعبية وثانيهم الصادق المهدي قطع العلاقات قبل رحلته الخليجية ثم سقط بانقلاب البشير الذي هو الآخر قطع علاقاته بطهران ثم سقط بثورة شعبية فما الفائدة في أن يقاتل الشباب السوداني الحوثيين الذين تدعمهم طهران لماذا لا يقاتل الشباب السوداني في صف الحوثي ضد حكومات الخليج الرياض وابو ظبي

*عودة العلاقات الدبلوماسية

كانت محور العلاقات السودانية الإيرانية تدور حول الجوانب العسكرية والدفاعية والأمنية لماذا لا تتطور لتشمل الجوانب الاقتصادية والإنمائية والتجارية والثقافية ولماذا الخوف من تمدد المذهب الشيعي طالما الدعوة تستند علي الحجة والمنطق واصل الدعوة قل أدعو الي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وليس عن طريق اسكات الصوت الآخر فليفتح الشيعة حسينياتهم ويفتح السنة مساجدهم لتغدو جميعهم مراكز إشعاع ديني ولا هجر علي أحد تضرر السودان من الإمارات العربية المتحدة كثيرا رغم الأرواح التي قدمها السودان في حرب اليمن ولم يجد مناصرة واضحة من السعودية فماذا يضير التوجه نحو طهران.

زر الذهاب إلى الأعلى