الفريق ركن طيار محي الدين أبكر محمد صالح قائد فذ عرفته ساحات الوغى

د. الباقر عبد القيوم علي
بعض الناس قد تعرفهم من خلال سيرتهم الذاتية ، وآخرون تعرفهم من مواقفهم ، إلا أن هنالك رجال تسبقهم إلى الناس قصص تدلل على عظمتهم قبل أن تلتقي بهم ، ولعل من بين هؤلاء الفريق ركن طيار محي الدين أبكر محمد صالح ، مستشار وزير الدفاع لشؤون الطيران ، هذا البطل الذي عرفته ساحات العمل العسكري قائداً ، وعرفه الناس إنساناً بسيطاً قريباً من الجميع .
عرفته ساحات الوغى في جنوب السودان ، حيث لا مكان فيه للتردد أو الإستكانة ، فكان حاضر في مواقع المسؤولية ، يؤدي واجبه بثبات وشجاعة. تولى عدداً من مواقع المسؤولية المهمة في القوات الجوية السودانية ، من بينها قيادة قواعد كل من ملكال ، والخرطوم ، وجوبا ، وقيادة جناح الهليكوبتر ، وقد خدم الوطن طياراً وقائداً في ظروف لم تكن سهلة .
ومع كل هذه المسؤوليات والرتب ، ظل الرجل كما عرفه من عاشروه ، بسيطاً ، حسن المعشر ، لا يترفع على من هم دونه ، يألف الناس ويألفونه ، ويعامل الناس بما يستحقونه من إحترام ، ويحب الخير لمن حوله ، ولهذا لم يكن غريباً أن يطلق عليه عند كل من يعرفه عن قرب لقب أبو الإنسانية .
ومن المواقف التي تكشف معدن الرجل أكثر من أي كلمات ، فهو موقف تعرض بسببه للمحاكمة وهو في رتبة العقيد ، بعد أن منعه جانبه الإنساني من تنفيذ أمر رأى فيه ما يتعارض مع ضميره ، فجرت محاكمته ، وذهب الادعاء في حقه إلى ما ذهب إليه ، فكان الظلم ثقيل جداً على رجل إختار في لحظة صعبة أن يستمع إلى ضميره .
فقد يتأخر الحق أحياناً ، ولكنه لا يضيع أبداً ، فبعد سنوات عديدة ، قيض الله له من يعيد له حقه المفقود ، فعاد إلى المؤسسة العسكرية بعد غيبة طويلة ، فمثل هذه المواقف الصعبة هي التي تكشف معادن الرجال الحقيقية ، فرجع إلى الخدمة برتبة اللواء ، ثم تمت ترقيته إلى رتبة الفريق ، وهو الآن يتولى مسؤولية مستشار وزير الدفاع لشؤون الطيران ، كما شغل منصب الأمين العام لوزارة الدفاع بالإنابة .
وتتزين سيرة هذا القائد الفذ ، العلمية والعسكرية بمجموعة من المؤهلات والدورات ، فقد حصل على دبلوم العلوم العسكرية ، وبكالوريوس علوم الطيران من الكلية الجوية المصرية ، وماجستير العلوم العسكرية من كلية القيادة والأركان المشتركة في جمهورية العراق ، إلى جانب دورات في الإستخبارات العسكرية والطيران وقيادة الهليكوبتر ، ودورات القوات الجوية والأركان .
ولم تتوقف خبرته عند حدود العمل العسكري ، فقد شارك في مؤتمرات وورش عمل وإجتماعات خارجية ، ومثل السودان في عدد من المهام الرسمية ، كما شارك في لجان حكومية وعسكرية مهمة ، من بينها اللجنة العسكرية المشتركة السودانية الروسية التي ترأسها ، واللجنة الفنية العليا لمجلس الأمن والدفاع ، إلى جانب لجان أخرى ذات صلة بالحكم والإدارة وحقوق الإنسان والطوارئ والعلاقات الدولية .
هذه السيرة الطويلة تقول شيئاً واحداً ، وواضحاً أكثر من أي شيء غيره ، هو أننا أمام رجل جميل جمع بين العلم والخبرة العسكرية ، والمسؤولية العامة ، والأهم من ذلك جمع بينها وبين إنسانية لم تسمح له ظروف العمل القاسية أن يفقدها .
فالمنصب عند بعض الناس يصنع حاجز وهمي بينهم وبين الآخرين ، أما عند الفريق محي الدين فقد ظلت الرتبة مسؤولية قبل أن تكون وجاهة ، والمنصب عنده تكليف وليس تشريف ، ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في رجل وصل إلى هذه المواقع ، أنه ما زال محتفظ ببساطته ، وجميع الذين عرفوه قبل هذه المناصب ما زالوا يعرفونه بعدها ، فهو بلا شك رجل عظيم .
وتبقى دائماً قيمة الإنسان في مواقفه المشرفة ، وليس في مناصبه التي تقلدها ، ولذلك نجد أن الفريق محي الدين قد زرع في نفوس من عرفوه صورة القائد الذي عرفته ميادين العمل ، وصورة الإنسان الذي لم تغيره المواقف ، وصورة الرجل النبيل الذي إنتصر لضميره وللحق .
نسأل الله أن يوفقه ويسدد خطاه ، وأن يعينه على ما تبقى من مسؤولياته ، وأن يجعل ما قدمه لوطنه وأهله في ميزان حسناته ، وأن يديم عليه نعمة العلم والحكمة والإنسانية .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
.


