*من أنتِ حين لا يراكِ أحد*؟

بقلم: د. نعمات إدريس
من السهل أن نُحسن اختيار الكلمات أمام الآخرين، وأن نرتدي الأدوار التي ينتظرها المجتمع منا. قد نكون الموظفة المجتهدة، أو الأم المثالية، أو الصديقة التي تُخفي تعبها خلف ابتسامة مطمئنة. لكن يبقى سؤال لا يطرحه علينا أحد، ومع ذلك هو من أهم الأسئلة التي قد نواجهها في حياتنا:
من أنتِ حين لا يراكِ أحد؟
حين تُغلق الأبواب، ويهدأ ضجيج العالم، وتسقط الأقنعة التي نرتديها دون أن نشعر… من تكونين؟
هل تجدين سلامًا في صحبتكِ لنفسكِ، أم تحاولين الهروب منها بالانشغال المستمر؟ هل يملأ قلبكِ الرضا، أم أنكِ تعيشين في صراع دائم مع صورتكِ عن ذاتكِ؟
كثير من الناس يقيسون قيمتهم بنظرة الآخرين إليهم، فإذا مُدحوا شعروا أنهم ناجحون، وإذا انتُقدوا اهتزت ثقتهم بأنفسهم. لكن الشخصية الواعية لا تبني هويتها على تصفيق الناس ولا تسمح أن يحددها نقدهم. فهي تعرف أن قيمتها أعمق من رأي عابر، وأن الإنسان يبدأ في اكتشاف نفسه عندما يتوقف عن محاولة إرضاء الجميع.
الوعي بالذات ليس أن تعرفي نقاط قوتكِ فقط، بل أن تنظري أيضًا إلى مواطن ضعفكِ دون إنكار أو قسوة. أن تقولي: “هذه أنا، لدي ما أفتخر به، ولدي ما أعمل على تحسينه.” فالنضج لا يبدأ بالكمال، بل يبدأ بالصدق مع النفس.
وقد يكون أجمل ما تمنحين نفسكِ إياه هو أن تصبحي صديقة لها. أن تتحدثي معها بلطف، وأن تغفري لها أخطاءها، وأن تمنحيها فرصة للنمو دون أن تثقليها بالمقارنات أو جلد الذات.
في عالم يمتلئ بالمظاهر، يبقى الجوهر هو ما يصنع الإنسان. وما تزرعينه في داخلكِ سيظهر يومًا في كلماتكِ، وقراراتكِ، وعلاقاتكِ، ونظرتكِ إلى الحياة.
لذلك، قبل أن تسألي: “كيف يراني الناس؟” اسألي نفسكِ: “هل أعرف نفسي حقًا؟ وهل أعيش بما ينسجم مع قيمي؟”
فالمرأة التي تعرف نفسها لا تبحث عن قيمتها خارجها، ولا تستمد سلامها من رضا الآخرين. إنها تسير في الحياة بخطى أكثر ثباتًا، لأن بوصلتها تنطلق من الداخل، لا من تصفيق الخارج.
همسة أنوثة واعية
ليس أعظم إنجاز أن يعرفكِ الناس، بل أن تعرفي أنتِ نفسكِ، وأن تعيشي بصدق مع ما تؤمنين به.
سلامكِ يبدأ من وعيكِ… ووعيكِ يبدأ عندما تجرئين على أن تلتقي بذاتكِ كما هي، بمحبة ورحمة وصدق.
