أنصفوا وكلاء النيابة أولاً ، لتستقيم العدالة

د. الباقر عبد القيوم علي
النيابة العامة هي الضمير الذي ينطق باسم المجتمع ، وهي حصن العدالة الذي يحمي الحقوق والحريات ، وهي الجهة التي تحمل على عاتقها مسؤولية تحريك الدعاوى الجنائية ، والإشراف على التحريات ، وتمثيل الحق العام أمام المحاكم ، حتى يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .
لكن يبقى السؤال الذي لا بد أن نطرحه في هذه المساحة بكل شجاعة : كيف نطالب وكيل النيابة بأن يكون حصن للعدالة ، بينما هو نفسه مظلوم داخل مؤسسته؟ .
وكيل النيابة هو من يقف أمام الملفات التي تضم مئات الملايين ، وربما المليارات ، من الدولارات والجنيهات ، ويُحقق في القضايا التي تمس إقتصاد الدولة وأمن المجتمع ، بينما راتب وكيلِ ثالث (130) ألف جنيه ، ووكيلِ ثاني (140) ألف جنيه ، ووكيلِ أعلى (200) ألف جنيه ، ورئيسِ نيابة (260) ألف جنيه ، وهم الآن بعيشون في حالة بؤس تام ، فلم يتم صرف أي بدلاتٍ لهم ، حتى قبل أو بعد تعديل الهيكل .
فمثل هذه المبالغ البائسة يتأفف ويتذمر منها الطالب عندما يأخذ مصروفه الأسبوعي من والده ، وهذا الراتب لا يتناسب مع أبسط متطلبات الحياة ، ولا مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه .
هذا الأمر يتعلق بكرامة الوظيفة وهيبة العدالة التي تمثل هيبة الدولة ، فالقاضي ووكيل النيابة ورجل القانون يجب أن يعيشوا حياة تحفظ لهم إستقلالهم وكرامتهم ، لأن إستقرارهم هو إستقرار للعدالة .
لقد تم قطع وعد لمنسوبي النيابة بإعادة هيكلة الرواتب ، ولكن الأشهر مضت بسرعة البرق ، وأوشكت السنة المالية على نهايتها ولا جديد يُذكر ، أما ما وصلهم حتى الآن فلا يتجاوز حوافز العيدين ، بما يعادل رواتب خمسة أشهر فقط ، وهي معالجة كانت مؤقتة ، ولا ولن تحل أصل المشكلة .
ورغم هذا الواقع المرير ، فإن وكلاء النيابة يواصلون أداء واجبهم بإخلاص وتفاني يستحقان عليه الإحترام والتقدير ، وهم يعملون لساعات طويلة تتجاوز حدود ساعات الدوام الرسمي ، ويتحملون ضغوط هائلة ، ويؤدون من المهام أكثر مما يُطلب منهم ، حفاظاً على هيبة القانون وخدمة الوطن ، وهذا وحده دليل على أصالة معادنهم .
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أنني سألت أحد غاسلي السيارات أمام مبنى احدى النيابات عن متوسط دخله اليومي ، فأجابني : (هذه الأيام العمل ضعيف ، ولم أدخل اليوم إلا (350) ألف جنيه فقط) ، أي أن دخله في يوم واحد يعادل ما يقارب ثلاثة أضعاف راتب وكيل النيابة الذي يتقاضاه في شهر كامل ، فإستشهادي بهذه القصة ليس للإنتقاص من هذه المهنة الشريفة ، فكل عمل كريم محل إحترام وتقدير ، ولكن ذلك فقط من باب المقارنة التي تكشف عن حجم الإختلال الذي وصلنا إليه .
وهنا تتجه الأنظار إلى السيد النائب العام ومساعديه ، فإن من أولى مسؤولياتهم الدفاع عن حقوق منسوبي النيابة العامة ، وأن يسعوا بجدية في تحسين أوضاعهم لأنها ثمثل أولوية لا تقل أهمية عن تطوير الأداء المؤسسي ، فإذا عجزت القيادة عن إنتزاع الحقوق المشروعة لمن يحملون عبء العدالة ، فإن ذلك يستوجب عليهم مراجعة جادة للمسؤولية قبل أن يراجع الآخرون أداء المؤسسة .
إن النقد هنا ليس نقداً هادماً ، ولا تشكيكاً في أحد ، ولكني أتقدم بدعوة صادقة من أجل الإصلاح ، فالنيابة العامة تستحق أن تكون قوية ، ولن تكون قوية إلا برجال ونساء يشعرون بأن دولتهم أعطتهم حقهم قبل أن تطلب منهم الحفاظ على حقوق الآخرين .
فكيف يستقيم ميزان العدالة إذا كان من يمسك به يشعر بالغبن ، فلا بد من توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لوكلاء النيابة التي تعينهم على أداء رسالتهم السامية .
هذه رسالة عاجلة لرئيس مجلس السيادة لحماية العدالة ، لأن العدالة تبدأ من داخل النيابة العامة ، قبل أن تصل إلى قاعات المحاكم .
وإذا كان النائب العام عاجز عن إنتزاع الحقوق المشروعة لمنسوبي النيابة ، على الرغم من وضوح معاناتهم وطول إنتظارهم ، وسكوتهم الذي يمكن أن ينفجر تحت اي لحظة ، فإن الواجب الأدبي والمهني يقتضي منه أن يراجع موقفه بكل شجاعة ، فهنا تقديم الإستقالة واجب ، لإفساح المجال لمن هو أقدر على حماية حقوق منسوبي النيابة والدفاع عن حقوقهم ، وسيكون ذلك موقف مشرف يحترمه الجميع ، لأن من يعجز عن تحقيق العدالة إلى أقرب الناس إليه ، يصعب عليه أن يقنعهم بحمل رسالة إنصاف الآخرين .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com


