حين يمرض الجنيه… يدفع الوطن كله الثمن

كتب الخبير الإقتصادي .. حاتم حسن احمد
لا توجد مرآة تعكس صحة الاقتصاد بدقة أكبر من سعر صرف العملة الوطنية فحين يتماسك الجنيه تتماسك معه الأسواق، وتستقر الأسعار، ويشعر المواطن بشيء من الطمأنينة تجاه مستقبله المعيشي أما حين يتراجع أمام العملات الأجنبية فإن آثار ذلك لا تتوقف عند شاشات الصرافات وتطبيقات البنوك، بل تمتد إلى كل منزل ومزرعة ومصنع ومتجر في البلاد.
ما يشهده السودان اليوم من تدهور مستمر في قيمة الجنيه ليس مجرد أزمة نقدية عابرة، وإنما مؤشر واضح على اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد الوطني تفاقمت بفعل الحرب وتراجع الإنتاج وانكماش النشاط الاقتصادي وارتفاع مستويات الإنفاق غير المنتج.
النتيجة الأولى والمباشرة لهذا التراجع هي التضخم فالسودان يستورد جزءاً كبيراً من احتياجاته الأساسية ومدخلات إنتاجه، وعندما يرتفع الدولار ترتفع معه أسعار الغذاء والدواء والوقود ومواد البناء وقطع الغيار والنقل والخدمات وفي نهاية المطاف يجد المواطن نفسه يدفع فاتورة لم يكن طرفاً في صناعتها
الأخطر من ذلك أن انهيار العملة يتحول إلى وقود نفسي للتضخم. فالتاجر الذي يتوقع ارتفاع الدولار غداً يرفع أسعاره اليوم، والمستهلك الذي يخشى زيادة الأسعار يسارع إلى الشراء والتخزين، فتدخل الأسواق في دوامة يصعب السيطرة عليها.
القطاع الزراعي الذي يفترض أن يكون قاطرة الاقتصاد السوداني لم يسلم هو الآخر من هذه التداعيات فالأسمدة والمبيدات والوقود والآليات الزراعية جميعها أصبحت أكثر تكلفة، مما رفع تكلفة الإنتاج وأضعف القدرة التنافسية للمنتج السوداني وينطبق الأمر ذاته على القطاع الصناعي الذي يعتمد بصورة كبيرة على المواد الخام والآلات المستوردة.
أما على مستوى السياسات الاقتصادية، فإن استمرار تراجع الجنيه يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية السياسة النقدية والمالية فالتوسع في الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الإنتاج، والعجز المزمن في الموازنة، وضعف الاحتياطيات الأجنبية، كلها عوامل تضعف قيمة العملة وتزيد الضغوط على سوق النقد الأجنبي.
وفي المقابل، لا يمكن معالجة الأزمة عبر إجراءات أمنية أو رقابية فقط، لأن سعر الصرف في نهاية المطاف هو انعكاس مباشر لقوة الاقتصاد الحقيقي لذلك فإن الحل يبدأ من الإنتاج وليس من سوق العملات.
السودان لا يعاني من نقص الموارد، بل من ضعف استغلالها. فهو يمتلك أراضي زراعية شاسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً لكن هذه المزايا تحتاج إلى سياسات رشيدة تحولها إلى صادرات حقيقية تدر العملات الأجنبية وتدعم الاحتياطي النقدي.
إن استقرار الجنيه لن يتحقق إلا عبر زيادة الإنتاج والصادرات، وتشجيع تحويلات السودانيين بالخارج عبر القنوات الرسمية، وضبط الإنفاق العام، وإيقاف التمويل بالعجز، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي.
الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعاً هي أن معركة الجنيه ليست معركة بنك مركزي وحده، بل معركة اقتصاد كامل. فكل جنيه يفقد جزءاً من قيمته يعني تراجعاً في القوة الشرائية للمواطن، وارتفاعاً في تكلفة الإنتاج، واتساعاً في دائرة الفقر.
وحين يمرض الجنيه، لا يدفع الثمن قطاع بعينه أو فئة محددة، بل يدفعه الوطن كله.


