آخر الأخبار

المقايضة تعود إلى الواجهة في السودان… دقيق مقابل منزل، وزيت مقابل أجرة، وفأس مقابل ذرة

‏في بلاد أنهكها الغبار الاقتصادي وتكسّرت فيها أعمدة النظام المصرفي، عاد السودان إلى زمن قديم تُدار فيه الحياة على مهل المقايضات. لم تعد النقود وسيطاً مضموناً، بل ضيفاً نادراً لا يراه كثيرون لأشهر، فيما تحكم الحرب قبضتها على المدن وتجعل الوصول إلى السيولة حدثاً استثنائياً.‏‏في الدلنج، المدينة المحاصرة بولاية جنوب كردفان، يقول علي—الموظف الحكومي الذي لم يمس ورقة نقدية منذ تسعة أشهر—إنه أصبح يقايض أدوات منزله مقابل ما يسدّ الرمق. يروي بابتسامة مُرّة كيف بدّل فأساً وكرسياً بثلاثة أكياس من الذرة الرفيعة.

يشبه الأمر اقتصاداً تقوم أعمدته على الذاكرة والثقة، لا على الأرقام الممهورة بشعار البنك المركزي.‏‏عملات غير مكتوبة‏‏في مدن السودان، صارت الملابس، قطع الأثاث، وحتى الأدوات البسيطة عملات عائمة.

سائقو التوك توك والدراجات النارية يتقاضون زيت الطبخ أو الصابون بدل الأجرة. من يحتاج إلى صيانة سيارة يدفع دقيقاً أو ذرة أو كيس سكر. أحجار الميزان القديمة تعود إلى الحياة، لكن من دون ميزان.‏‏الصادق عيسى، المتطوع المحلي، يؤكد أن المقايضة أصبحت لغة يومية، وأن الناس—أيّاً كانت مهنتهم—تخلّوا عن انتظار النقود المفقودة.‏‏اقتصاد محطّم‏‏الحرب التي اشتعلت في الخرطوم لم تكتفِ بتشريد الملايين، بل مزّقت قلب النظام المالي. البنك المركزي احترق، البنوك نُهبت، وخزائنها فارغة. العملة فقدت ظلّها: اليورو الذي كان يساوي 450 جنيهاً صار اليوم 3500 في السوق السوداء. الاقتصاد انزلق من حافة الهاوية إلى هوّة بلا قاع.‏‏ورغم أن السودان كان يستعد قبل الحرب لانتقال مالي واعد—بدخول المعاملات الرقمية وانتشار تطبيق “بنكك”—توقف كل شيء فجأة.

يقول الخبير ويليام كوك إن البلاد كانت تقف عند باب تحول يشبه ما حدث في كينيا وتنزانيا وغانا، قبل أن تُغلق الحرب ذلك الباب بعنف.‏‏أزمة إنسانية عميقة‏‏الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع خلّف عشرات الآلاف من القتلى وقرابة 12 مليون نازح، والمناطق الخارجة عن سيطرة الدولة أصبحت مساحات مفتوحة للنهب والابتزاز. في أم درمان، يعود دفع الله إبراهيم، صاحب البقالة، إلى ما يشبه اقتصاد الظلال، مؤكداً أن امتلاك النقود الورقية قد يتحول إلى خطر، لأن الجيوب المليئة تبدو أهدافاً سهلة في زمن فوضوي كهذا.‏‏“بنكك” شريان حياة… حين تتوفر الشبكات‏‏في المناطق التي صمدت فيها الاتصالات، بقي تطبيق “بنكك” أشبه بخيط رفيع يصل الناس برواتبهم وأقاربهم في الخارج. أما حين تنقطع الشبكات، كحال كادوقلي ومناطق كثيرة، يتكئ الناس على دفتر صغير يدوّن عليه التجار الديون، وعلى جملة واحدة تُقال بثقة: “سددوا حين يعود بنكك للعمل.”‏‏شمس عبر ستارلينك‏‏مع شلل الشبكات المحلية، انتشرت أجهزة “ستارلينك” المهرّبة، تُستأجر بالساعات وتمنح سكان المناطق المعزولة نافذة صغيرة على العالم. كثير من هذه الأجهزة كانت في يد قوات الدعم السريع، التي فرضت عمولات ضخمة على من يحتاج إلى السيولة مقابل التحويلات الرقمية—عمولة قد تصل إلى ربع المبلغ.‏‏لاحقاً، منع الجيش بيع هذه الأجهزة واستخدامها، لكن الحاجة جعلت قرار المنع أشبه بسدّ صغير يحاول كبح فيضان.‏‏مصارف مقسومة… وبلاد تنقسم معها‏‏العوائق أمام المعاملات الإلكترونية—من غياب الهواتف إلى انتهاء صلاحية الوثائق—دفعت البنوك لمحاولات إسعاف، مثل السماح بفتح حسابات عن بُعد. لكن المشهد أعمق من قدرة الإسعافات الأولية. فمع بدء طباعة أوراق نقدية جديدة في المناطق الخاضعة للجيش، تبدو البلاد وكأنها تنزلق إلى انقسام مالي يوازي الانقسام العسكري والجغرافي.‏‏هكذا يجد السودان نفسه يعيش في اقتصادين متوازيين، بل دولتين نقديتين: واحدة تحت سيطرة الجيش، وأخرى تحت سيطرة الدعم السريع، بينما يتنقل المواطن بينهما بجيوب خفيفة ودفاتر ديون ثقيلة، وبِضَاعَة تُباع بلغة غير مكتوبة.

زر الذهاب إلى الأعلى