اقتصاد الحرب… حين تُعطِّل البيروقراطية مدافع الوطن

✍️ عوض الله نواي – وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام
بورتسودان – السبت 2 أغسطس 2025م
⸻
في زمن الحرب… الدولة تحتاج كل قرش
في زمن الحرب، لا ترف السياسات التنظيرية، ولا مجال للخطط البطيئة التي تُدار من مكاتب “الكوفي بريك” وهواء التكييف. الدولة حين تُحاصَر وتُهاجَم، يجب أن تُدار بمنطق الطوارئ: كل مرفق يعمل، وكل مورد يُستثمر، وكل فرصة تُستغل. لكن الواقع في السودان شيءٌ آخر… شيء يشبه أن تُدار حرب ضخمة بمنطق عطلة السبت!
بورسودان… يغلق السوق كي ينظف الطريق!
في مدينة تعاني من شحّ الموارد، وارتفاع أسعار الإيجارات، وتضاؤل حركة الصادر والوارد، كيف لعقل إداري أن يُقرّر إغلاق السوق كاملًا في يوم السبت بحجة النظافة؟ هل تحولت النظافة من سلوك يومي إلى مناسبة أسبوعية تُعطَّل فيها حياة الناس؟
وإن كانت الحجة هي “نظافة السوق”، فهل النفايات مكدّسة داخل الدكاكين؟ أم أن الأوساخ تملأ الطرقات لا المحال؟
هل عمال النظافة لا يستطيعون أداء واجبهم إلا في غياب أصحاب المحال والمواطنين؟
ثم لنسأل حسابيًا:
إذا أُغلق السوق يومًا في الأسبوع = 4 أيام شهريًا.
وإذا أضيفت الإغلاقات العشوائية في المناسبات = 7 أيام شهريًا.
فإن السنة تفقد أكثر من 80 يوم عمل في بيئة تعاني أصلًا من بطء الدورة الاقتصادية. فمن يتحمل هذه الخسارة؟ المواطن؟ أم التاجر؟ أم الدولة التي تنتظر الجمارك والضرائب من هذا السوق؟
ميناء سواكن… إدارة بالمزاج
في سواكن، الميناء الذي كان ينبغي أن يكون قلب الصادر والوارد، تتحكم فيه إجراءات “مطربة” لا يُعرف من يُديرها، ولا لماذا توقفت.
كشف الصالة للبضائع الخفيفة بالطبالي؟ موقوف منذ أشهر بلا مبرر واضح.
تصاريح جمركية تتعطل بسبب التوقيعات اليدوية.
نظام إلكتروني يعطّل العمل أكثر مما يُيسرّه، لأن البنية التحتية هشة، والكهرباء مقطوعة، والموظف مشغول بـ”شحن بطاريته”.
أمثلة إضافية للبيروقراطية المعطِّلة:
1. تحصيل الجمارك يدويًا في بعض الوحدات بدلاً من التحصيل الإلكتروني الفوري.
2. المعاينات الورقية للبضائع تستغرق أيامًا بسبب غياب الكادر الكافي أو فساد بعض الموظفين.
3. التخليص الجمركي لا يزال يمر عبر أكثر من 7 مكاتب لكل شحنة، وكل مكتب يحمل مفاتيح التعطيل.
4. رسوم متداخلة بين سلطات الميناء والمحليات وإدارة الضرائب لا يعرف فيها التاجر ما يدفع ولا لماذا.
⸻
ما الحل؟
أولًا: إلغاء سياسة إغلاق الأسواق في زمن الحرب. النظافة لا تعني التعطيل، ويمكن دمج الجهود بين عمال النظافة والتجار والمواطنين بجدولة عقلانية.
ثانيًا: تطبيق حالة الطوارئ الاقتصادية، وإعطاء الأولوية لتسهيل حركة السوق بدلًا من إعاقتها بالروتين.
ثالثًا: إصلاح إدارة الموانئ، بإلغاء التصاريح العبثية، وإطلاق آلية موحدة وسريعة للتخليص.
رابعًا: محاسبة المتقاعسين داخل الوحدات الجمركية والإدارية الذين يعطلون موارد الدولة في لحظة حرجة.
⸻
في اقتصاد الحرب… لا ترف لقرارات “السبت إجازة”، ولا تهاون مع عقلية: “خليهم يستنوا”.
الدولة تحتاج مالًا لتواصل الحرب… وهذه الأموال لا تنزل من السماء، بل من حركة السوق، والميناء، والتاجر الذي يدفع ضريبة لا جزية.
ومن لا يدير معركته الاقتصادية بعقل مفتوح… فليس أهلاً للنصر العسكري، ولو كان معه جيش كامل العتاد!


