من الولاية الشمالية تبدأ الحكاية ، البنوك تلتقي بالأرض ، ويصبح الإنتاج عنوان للتعافي

إن المناسبات الاقتصادية الجادة في هذه المرحلة الحرجة من عمر بلادنا تستحق أن نتوقف عندها طويلاً ، أينما كانت ، لأنها تحمل في طياتها معاني أكبر من حجمها المعلن ، وتفتح أبواب ظل الإنتاج ينتظر خلفها طويلاً ، فعندما جاء خبر تدشين محفظة تمويل الطاقة الشمسية ومدخلات الإنتاج الزراعي بالولاية الشمالية ، برأسمال بلغ 15 مليار جنيه ، ليثلج صدور المتابعين للشأن الاقتصادي في البلاد ، باعتباره خطوة تتعدى حدود التمويل إلى آفاق أرحب من التعافي الاقتصادي ، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي السوداني ، وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية التي يعول عليها الوطن في تجاوز تحدياته الراهنة .
وفي هذا الحدث الإقتصادي ، ظهرت الولاية الشمالية مجدداً وهي تستبق غيرها في موقع المبادرة ، مستندة إلى إرثها في رفد الاقتصاد الوطني ، وإلى ما تملكه من أرض وإمكانات زراعية تؤهلها للإسهام بقوة في معركة الإنتاج ، ولعل ما يمنح هذه الخطوة أهميتها أن الولاية تستهدف زراعة مليون ومائتي ألف فدان خلال الموسم الشتوي ، منها 320 ألف فدان للقمح ، وهي أرقام لا ينبغي أن تبقى سجينة الخطط داخل الأدراج ، لأنها تحتاج إلى تمويل يصل إلى المزارع في الوقت المناسب ، ومدخلات تعينه على تحويل الأرض إلى محصول ، والجهد إلى عائد مادي .
ومن هنا يتضح لنا جلياً أهمية الدور الذي يقوم به والي الولاية الشمالية ، الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم ، الذي يقود ، منذ توليه مهام منصبه ، حراكاً يضع قضايا الإنتاج في صدارة الأولويات ، وفي مقدمتها الإنتاج الزراعي ، لأنه يؤمن بأن زيادة المساحات المزروعة ، على أهميتها ، لا تكفي وحدها لتحقيق النهضة الزراعية المنشودة ، ما لم تتهيأ الظروف التي تجعل الزراعة نشاطاً اقتصادياً قادراً على الصمود والتوسع والاستمرار .
فالمطلوب ليس التوسع في الرقعة الزراعية، إلا إذا تم توفير مقومات نجاحها ، وفي مقدمتها التمويل وتيسير الحصول على مدخلات الإنتاج ، بما يمنح صغار المنتجين فرصة حقيقية للعمل والعطاء ، ويحرر طموحاتهم من قيود شح التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج .
وفي قلب هذا الجهد الضخم ، لا بد لنا أن نحفظ حق وزارة المالية بالولاية ، بقيادة المصرفي المخضرم أمير حسن البشير ، فمنذ توليه مهامه وزيراً للمالية ، ظل ملف هذه المحفظة ضمن اهتماماته ، إيماناً منه بأن النهوض بالإنتاج يبدأ بتوفير التمويل اللازم ، وأن المال عندما يجد طريقه إلى المزارع يصبح قوة حقيقية للتغيير ، وقد التقى هذا الاهتمام بجهد موازي من وزير الزراعة بالولاية ، المهندس عثمان أحمد عثمان ، الذي يشكل موقعه في هذه المعادلة حلقة أساسية في وصل التمويل باحتياجات المزارعين ومتطلبات الموسم الزراعي .
إن ما تحقق هو ثمرة عمل وتنسيق مشترك يستحقان الإشادة ، ورسالة بأن المشروعات الكبيرة لا تقوم على الجهود الفردية ، فلا بد من تكامل الرؤى وتضافر المسؤوليات والأدوار ، ولذلك إستحق كل من أمير حسن البشير ، والمهندس عثمان أحمد عثمان ، كل الشكر والتقدير والاحترام من أهل الولاية ، على ما بذلاه من اهتمام بهذا الملف ، وعلى ما تمثله هذه الخطوة من أمل في توسيع دائرة الإنتاج وتخفيف الأعباء عن كاهل المزارعين .
والأهم في هذا الأمر ، أن المحفظة تفتح نافذة لصغار المزارعين ، أولئك الذين تقوم على أكتافهم مساحة واسعة من العمل الزراعي ، لكنهم كثيراً ما يجدون أنفسهم أمام فجوة بين ما يملكونه من إرادة وما يحتاجون إليه من إمكانات ، كما أن إدخال الطاقة الشمسية في منظومة التمويل الزراعي يحمل دلالة عملية ، بالنظر إلى ما يمكن أن توفره من حلول لتكاليف التشغيل ، ولا سيما في ولاية تملك وفرة في أشعة الشمس ما يجعل استثمارها ضرورة اقتصادية ، وليست خيار تقني .
وهنا يستحق الشركاء المصرفيون التقدير على هذه المبادرة ، وفي مقدمتهم بنك الخرطوم ، وبنك التضامن الإسلامي ، وبنك النيل ، وبنك المزارع ، والبنك الزراعي ، فاجتماع خمسة مصارف على تمويل نشاط إنتاجي في هذه المرحلة يعتبر رسالة قوية تؤكد بأن دور البنوك لا يكتمل عند إدارة الأموال ، ولكنه يبلغ غايته عندما تتحول الموارد إلى غذاء ، وعمل ، ودخل ، واستقرار .
كما أضفى تشريف البروفيسور إبراهيم آدم الدخيري ، الأمين العام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية ، أهمية إضافية على المناسبة ، بما يمثله حضوره من صلة بين الجهد الوطني وآفاق التعاون الزراعي العربي ، في الوقت الذي أصبحت فيه قضايا الغذاء والإنتاج من أهم رهانات التنمية والاستقرار في العالم .
إن القيمة الحقيقية لهذه المحفظة تكمن في ما ستتركه على أرض الواقع ، من مساحات زراعية ، وزيادة ووفرة في انتاج المحاصيل ، وإستعادة صغار المزارعين قدرتهم على العمل والعطاء .
وسيظل تحقيق هذه الغايات مرهون بحسن إدارة التمويل ، وضمان وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين ، ومتابعة توظيفه في الأغراض التي خُصص من أجلها ، حتى تتحول هذه المبادرة من خطوة واعدة إلى نتائج ملموسة تعود بالنفع على المزارعين والاقتصاد الوطني .
إن ما بدأ في الولاية الشمالية اليوم قد يكون فاتحة خير لمسار إقتصادي أوسع ، تستعيد فيه المصارف دورها الأصيل في تمويل الإنتاج ، وتعود فيه الموارد إلى حيث ينبغي أن تكون ، في المزارع ومشروعات التنمية ، ومصادر كسب العيش ، وهذه الخطوة تؤكد ، مرة أخرى أن الولاية الشمالية تحت قيادتها الواعية ، كما عهدها الوطن ، لا تنتظر إكتمال الظروف حتى تبادر ، ولا تستسلم للتحديات مهما تعاظمت ، ولكنها تسير بما هو متاح لصناعة الممكن ، وتحويله إلى واقع يمهد الطريق نحو آفاق أكبر من الإنتاج والنماء والاستقرار الاقتصادي .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
.


