الرعاية الطبية في مطارات السودان .. من يحاسب الإدارة على معاناة العاملين؟!

تتداول أوساط العاملين بالشركة جملة من الشكاوى بشأن واقع الرعاية الطبية المقدمة لهم. وهي شكاوى تضع الإدارة أمام مسؤولية مباشرة لا يمكن تجاوزها بالتجاهل أو الاكتفاء بالتبريرات الإجرائية.
أولى هذه الإشكالات تتمثل في البطء غير المقبول في استخراج البطاقات العلاجية. فمن غير المنطقي أن تتحول بطاقة يفترض أن تيسر حصول الموظف وأسرته على العلاج إلى معاملة طويلة تستنزف الوقت والجهد. فالمرض لا ينتظر اكتمال الدورة المستندية ولا يمنح الإدارة مهلة إضافية حتى تنتهي من إجراءاتها.
أما غياب المعايير الواضحة والمعلنة لترتيب أولوية إصدار البطاقات فيفتح الباب أمام التساؤلات المشروعة بشأن عدالة الإجراءات وشفافيتها. ومن حق العاملين أن يعرفوا كيف تُرتب الطلبات وعلى أي أساس تُحدد الأولويات ومتى يحصل كل مستفيد على بطاقته. فهذه خدمة تمس حقوق العاملين ولا ينبغي أن تُترك لمعايير غير معلنة أو إجراءات يكتنفها الغموض.
والأكثر خطورة هو عدم كفاية سقوفات التغطية الطبية للحالات الحرجة والعمليات المستعجلة. فما جدوى الرعاية الطبية إذا كانت التغطية لا تتناسب مع الكلفة الفعلية للعلاج؟ وما قيمة اللوائح إذا وجد الموظف نفسه مضطراً إلى البحث عن موارد مالية تفوق قدرته في لحظة يكون فيها هو أو أحد أفراد أسرته في أمسّ الحاجة إلى التدخل الطبي العاجل؟
إن التعامل مع الحالات الحرجة بمنطق السقوفات الجامدة دون مراجعة واقعية للتكاليف والاحتياجات الطبية يفرغ الرعاية من مضمونها الإنساني والوظيفي. والمطلوب هنا ليس امتيازات استثنائية بلا ضوابط بل نظام تغطية عادل وفعال يستجيب لخطورة الحالة ويمنح الأولوية لما لا يحتمل التأخير.
أما ملف العلاج بالخارج فيستحق وقفة أكثر جدية. فإذا كانت هناك حالات تستلزم السفر لتلقي العلاج ولا تتوفر إمكانات علاجها محلياً فإن عدم تفعيل هذا البند أو تعثر إجراءاته يطرح سؤالاً مباشراً:
لماذا توضع التغطية العلاجية بالخارج ضمن اللوائح إذا لم تكن قابلة للتفعيل عند الحاجة الفعلية إليها؟ .. إن وجود النصوص وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى إجراءات واضحة وقرارات مسؤولة تضع صحة العامل فوق التعقيدات الإدارية.
إن شركة مطارات السودان المحدودة مؤسسة سيادية ذات طبيعة إيرادية وتضطلع بدور حيوي في قطاع الطيران المدني. ومن ثم فإن من حق العاملين أن يتوقعوا مستوى من الرعاية الطبية يتناسب مع مكانة المؤسسة وإمكاناتها ومسؤولياتها. ولا يجوز أن تتحول الإيرادات والموارد إلى أرقام تُستحضر عند الحديث عن أداء المؤسسة بينما يغيب أثرها الملموس عن أحد أهم حقوق العاملين وهو الحق في الحصول على الرعاية الصحية.
المشكلة هنا ليست في وجود شكاوى فحسب بل في ضرورة أن تتعامل الإدارة معها باعتبارها مؤشراً يستوجب التصحيح والمحاسبة الإدارية عن أوجه القصور متى ثبتت. فالإدارة الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على تسيير العمل وتحقيق الإيرادات بل كذلك بقدرتها على حماية العاملين وضمان حصولهم على حقوقهم دون مماطلة أو تعقيد.
وعليه فإن إدارة الشركة مطالبة اليوم بإعلان موقف واضح من هذا الملف وتقديم إجابات محددة عن أسباب تأخر البطاقات العلاجية ومدى عدالة معايير إصدارها وكفاية سقوفات التغطية للحالات الحرجة وآليات تفعيل العلاج بالخارج. كما أن عليها وضع جدول زمني معلن لمعالجة هذه الإشكالات ومراجعة أداء الجهة المسؤولة عن تنفيذ خدمة الرعاية الطبية.
إن العامل الذي يساهم في استمرار عمليات المطارات وتحقيق إيرادات المؤسسة لا ينبغي أن يُترك وحيداً عندما يواجه المرض أو تتعرض أسرته لطارئ صحي. وليس مقبولاً أن يُطلب منه أداء واجباته كاملة بينما يظل حصوله على خدمة علاجية مستحقة رهيناً بإجراءات بطيئة أو تغطية لا تفي بالحاجة.
إننا نقولها بوضوح:
الرعاية الطبية للعاملين ليست مِنّة من الإدارة ولا بنداً تجميلياً في اللوائح بل مسؤولية يجب أن تُنفذ بكفاءة وعدالة. وأي قصور مثبت في هذا الملف يستوجب المعالجة والمساءلة لا الصمت والتسويف.
لقد آن الأوان لأن تنتقل إدارة شركة مطارات السودان المحدودة من مرحلة التعامل مع الشكاوى باعتبارها تذمراً عابراً إلى مرحلة الاعتراف بالمشكلات ومعالجتها بشفافية. فصحة العاملين ليست ملفاً قابلاً للتأجيل إلى أجل غير معلوم ولا ينبغي أن تكون كلفة العلاج عبئاً يواجهه الموظف وحده.
و السؤال الذي نضعه أمام إدارة الشركة:
إذا كانت المؤسسة قادرة على الاعتماد على مواردها البشرية في أداء مهامها وتحقيق إيراداتها فلماذا لا يجد هؤلاء العاملون رعاية طبية تليق بهم وبمؤسستهم؟
الإجابة لا تكون ببيان تطميني ولا بوعد جديد بل بإصلاح حقيقي يلمسه العامل حين يحتاج إلى العلاج …


