المشهد السوداني الراهن .. أزمات متشابكة وحاجة ملحّة إلى مشروع إنقاذ وطني

بقلم | مصطفى سليمان
لا تبدو الأزمة السودانية الراهنة محصورة في تداعيات الحرب العسكرية، بل تمتد إلى اختلالات أمنية واقتصادية وإدارية متداخلة، تضع مؤسسات الدولة أمام اختبار بالغ التعقيد، وتدفع المواطن إلى مواجهة أعباء معيشية متزايدة. وبين المخاوف من اتساع الاضطراب الأمني والانهيار الاقتصادي، يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك الحكومة رؤية متكاملة لاحتواء الأزمة والانتقال من إدارة الطوارئ إلى التعافي والاستقرار؟
أمن هش ومخاوف من تعدد مراكز القوة :
تمثل الهشاشة الأمنية أحد أبرز التحديات الراهنة، في ظل المخاوف من استمرار تعدد القوى العسكرية ومراكز النفوذ خارج إطار المؤسسة العسكرية الموحدة.
ويبرز هنا الجدل حول تنفيذ الترتيبات الأمنية لاتفاق سلام جوبا، ومدى التقدم في دمج قوات الحركات المسلحة ضمن منظومة وطنية موحدة. وتستحضر هذه المخاوف تجربة الدعم السريع التي كشفت مخاطر تعدد مراكز القرار المسلح داخل الدولة.
ولا تكمن المشكلة في اتفاقيات السلام ذاتها، بل في تعثر تنفيذ الالتزامات المرتبطة بها، والحاجة إلى إخضاع جميع القوات لسلطة الدولة والقانون.
اقتصاد منهك وتضخم يلتهم دخول المواطنين :
اقتصادياً، تتفاقم معاناة السودانيين تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واضطراب النشاط الإنتاجي والتجاري. وتتآكل القيمة الحقيقية للأجور والمدخرات، بينما ترتفع تكاليف الغذاء والدواء والسكن والنقل، وتتراجع قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وتزداد خطورة الأزمة مع اتساع رقعة الفقر وفقدان مصادر الدخل وتراجع الخدمات، في ظل محدودية شبكات الحماية الاجتماعية. ولذلك فإن التعافي لا يتحقق بالإجراءات النقدية وحدها، بل يتطلب استعادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات وتوجيه الموارد إلى الأولويات المعيشية.
الحكومة أمام سؤال الرؤية والفاعلية :
في ظل هذا المشهد، لا يكفي أن تعلن الحكومة قرارات متفرقة، بل تحتاج إلى برنامج واضح يربط بين الأمن والاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات، ويحدد الأولويات والمسؤوليات والجدول الزمني للتنفيذ.
إن غياب المعلومات الكافية عن الخطط الحكومية أو عدم وضوح آليات تنفيذها يعمقان حالة عدم اليقين ويضعفان ثقة المواطنين. ومن هنا تبرز ضرورة الشفافية في عرض السياسات والنتائج، ونشر البيانات التي تتيح تقييم الأداء بعيداً عن التصريحات العامة.
الفساد والإدارة.. اختبار آخر لقدرة الدولة :
لا يمكن فصل فرص التعافي عن كفاءة الإدارة ونزاهة التصرف في المال العام. ففي ظروف الحرب وشح الموارد، يصبح تعزيز الرقابة والمراجعة والمساءلة ضرورة ملحة، لأن الهدر المالي وضعف الإدارة ينعكسان مباشرة على قدرة الدولة على توفير الخدمات.
وتتطلب المعالجة مراجعة العقود والمشتريات الحكومية، وتفعيل أجهزة الرقابة، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات، وربط الأداء بالمحاسبة. كما ينبغي أن يتجاوز الإصلاح تغيير القيادات والهياكل إلى تطوير نظم العمل وضمان توجيه الموارد نحو الأهداف العامة.
حلول عملية للخروج من الأزمة :
يتطلب تجاوز الأزمة خطة وطنية متكاملة تتضمن إجراءات عاجلة وأهدافاً قابلة للقياس، وفي مقدمتها:
أمنياً: تسريع تنفيذ الترتيبات الأمنية لاتفاق سلام جوبا، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء تعدد مراكز القيادة، وتعزيز سيادة القانون وحماية المدنيين.
اقتصادياً: وضع برنامج طارئ لكبح التضخم ومعالجة الاختلالات المالية والنقدية، ومراجعة الإنفاق الحكومي وتوجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية، وتوسيع الدعم المباشر للأسر الأكثر تضرراً، وإعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية وتسهيل حركة السلع.
إدارياً: إخضاع العقود والمشتريات الحكومية لمراجعة مستقلة، وتعزيز استقلالية أجهزة الرقابة، وتوسيع التحول الإلكتروني في التحصيل والسداد والمشتريات، وربط أداء المسؤولين بمؤشرات واضحة ومساءلة فعلية.
حكومياً: إعلان خطة للتعافي الوطني بجدول زمني محدد وتوزيع واضح للمسؤوليات، وإنشاء آلية تنسيق بين الوزارات والولايات، ونشر تقارير دورية عن الإنجاز والتعثر، مع إشراك النقابات والقطاع الخاص والخبراء في تحديد الأولويات.
ترتيب الأولويات ضرورة لا خيار :
في المرحلة العاجلة، ينبغي التركيز على حماية المدنيين وتحسين الأمن وتوفير الخدمات الأساسية وتخفيف الأعباء المعيشية وحماية المال العام.
وفي المرحلة التالية، تتقدم ملفات استعادة الإنتاج وإصلاح المالية العامة وتنفيذ الترتيبات الأمنية وإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات. أما على المدى الطويل، فتتمثل الأولويات في إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الحكم الرشيد وتطوير الاقتصاد المنتج، بما يضمن عدم العودة إلى دوائر الأزمات نفسها.
السودان بحاجة إلى خطة إنقاذ قابلة للتنفيذ :
تكشف الأزمة السودانية عن تداخل خطير بين الهشاشة الأمنية والانهيار الاقتصادي وضعف الخدمات وتحديات الإدارة والحوكمة. ولا يمكن معالجة هذه الملفات بصورة منفصلة، لأن تعثر أي منها يحد من فرص النجاح في البقية.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من توصيف الأزمات بقدر حاجته إلى برنامج عملي يحدد ما الذي ينبغي فعله، ومن المسؤول عن تنفيذه، وما الموارد المطلوبة، ومتى يمكن قياس النتائج.
فالمعيار الحقيقي لنجاح الحكومة ليس عدد القرارات التي تصدرها، بل أثرها في حياة المواطنين: أمن مستقر، وأسعار أقل اضطراباً، وخدمات يمكن الاعتماد عليها، ومال عام يخضع للرقابة، ومؤسسات تعمل وفق القانون.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تستطيع الحكومة تحويل هذه الأولويات إلى خطة معلنة بجدول زمني ومؤشرات أداء ومساءلة حقيقية، أم ستظل البلاد تدور في حلقة الأزمات المتراكمة والمعالجات المؤقتة؟ …



