عودة حمدوك إلى المنابر الإعلامية ، وتوقيته لذلك .. (رسالة)

د. الباقر عبد القيوم علي
ظهور عبدالله حمدوك بصورة ملفتة على شاشات سكاي نيوز من حيث التوقيت جاء في لحظة شديدة الحساسية ، بالتزامن مع إجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة ، وفي الوقت الذي يستعيد فيه الواقع السوداني تحولاً واضحاً في موازين القوة ومسار الحرب .
في مثل هذه اللحظات ذات الحساسية المفرطة ، لا تكون أهمية السياسي في ما يقوله ، بقدر ما تكمن العبرة في توقيت ظهوره ، وأين ، وكيف ، وما هي الآلية التي تقدمه ، ومن يستمع إليه ويصفق له .
حمدوك بحكم تجربته السابقة وصورته كسياسي مدني أثبت فشله ، وليس لديه خبرة في ملف الحكم ، ولكننا لا ننكر أن للرجل علاقات دولية واسعة بحكم وظيفته الأممية السابقة ، ويملك لغة مختلفة عن لغة البعض ، فهو يخاطب المؤسسات الدولية والدوائر السياسية والاقتصادية بلغة الدولة ، والسلام ، وإعادة الإعمار ، والعلاقات الخارجية ، وهذه العناصر ستصبح أكثر أهمية كلما اقترب السودان من مرحلة ما بعد الحرب ، أياً كان شكل نهايتها .
وهنا تظهر لنا بوضوح دلالة التوقيت ، فمع إستمرار التغير الذي طرأ في موازين الميدان ، قد يكون السؤال الدولي المقبل من يسيطر ، ومن يستطيع إدارة الدولة والتعامل مع العالم بعد الحرب ؟ .
ما يحدث يفسر لنا لماذا يمكن أن يكتسب ظهور شخصية مثل حمدوك أهمية وهمية لدي البعض ، وخصوصاً الذين لا يعرفون حقيقة الشعب السوداني ، ولا يعرفون كذلك شخصية الرجل المهزوزة ، ومن المؤكد إذا انتهت الحرب ، ستكون الدولة منهكة ، وإقتصادها يحتاج إلى تمويل ، وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة إعمار ، وعلاقات دولية تحتاج إلى إعادة ترتيب ، ولكن على الرغم من ذلك فلا مكان لحمدوك في الخارطة السياسية السودانية القادمة .
فعودة حمدوك إلى السطح من جديد وبهذه القوة ، لا تعني بالضرورة وجود مشروع جاهز لإعادته إلى السلطة ، كما لا تعني أن القوى الدولية أو الإقليمية إتفقت عليه ، فقد يكون الظهور فقط كمحاولة لإعادة تقديم نفسه ، ومحاولة للتلميع السياسي ، واستثمار ذلك إعلامياً ، فإسم الرجل لا يزال في موضع رفض بعد وقفته الأخيرة كجزء من حاضنة المليشيا .
ولكن الأهم من ظهور حمدوك هو ، لماذا يظهر الآن في هذا التوقيت ؟ ، والسودان داخل على مرحلة صياغة شكل الدولة ، بواجهة مدنية ، وترتيبات سياسية واسعة .
فهل تستطيع الشاشات والمنابر الدولية معرفة ماذا يقول الشارع السوداني بعد الحرب ؟ ..
فيا حمدوك ، ربما تستطيع أن تسوق نفسك ، أو رؤيتك إذا كانت لك رؤية في العواصم والمنابر الدولية ، ولكن السودان الذي تتحدث باسمه ليس هو ملف سياسي في قاعات المؤتمرات ، فانت في الأصل ليس لديك حاصنة سياسية تأويك ، وهذا الشعب وانت تعلم علم اليقين بانه عاش الجوع ، والعطش ، والخوف ، والألم ، والنزوح ، والشتات ، ودفع ثمن الحرب من بيته ، وأمنه وأمانه ، ومستقبله ، وهو شعب لا ينسى أبداً من الذي وقف معه ، ومن الذي وقف ضده ، ولتعلم ان السودان لن يتشظى بعد اليوم كما تتوهم انت ، والصفيقة الذين يزينون لك الباطل ، لأن السودان تجاوز مرحلة التشظي التي سعيت لها بكل ما تملك ، ودعمتها سياسياً ، أنت ورهطك ، وأنتم مستمدين قوتكم من جناحكم العسكري ، ومن يقف خلفه ، فلا تنظر لمن يصفق لك في القاعات المغلقة ، فالظهور الحقيقي الذي يقطع كل التكهنات مكانه في الشارع السوداني ، فادعوك أن تأتي إلى السودان ، لمواجه الناس مباشرة ، ودع الشعب يقول كلمته بعيداً عن الكاميرات والصالونات السياسية .
ويجب ان تعلم يا حمدوك أن المسافة بين السياسي والشعب مقياسها ليس بعدد المقابلات الدولية ، فإذا كنت تستطيع الوقوف أمام الشعب السوداني دون حواجز ، فبعدها لك أن تتحدث بإسمه ، وهنا يفرض المثل السوداني نفسه بقوة من خلال عبارته الشهيرة (الموية تكذب الغطاس) .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
.


