آخر الأخبار

للخرطوم أخٌ في الرياض

للصور ألسنة من النور، وقد تبلغ صورة واحدة من المعنى ما تعيا به الخطب. وكانت الصورة القادمة من أمبدة من هذا الضرب؛ فريق إعلامي من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تحفّ به وجوه سودانية أشرق فيها السرور، وإلى جواره المؤثر السعودي خالد العليان، كأن الدار عرفت ضيوفها قبل أن تراهم. كان المشهد صلة رحم بين شعبين أعادتها الشدة إلى أصلها العريق؛ فالشدائد تمتحن أسماء الصلات، وترد الأخوة إلى حقيقتها الأولى، قوة تضاف إلى القوة، وساعدًا يجيء في الساعة التي يثقل فيها الساعد. ومن كان له أخ ينهض به دخل البلاء بعضدين.
‏بلغ الوفد منطقتي الغدير والمنورة بمحلية أمبدة، ومعه زاد للأسر التي دفعتها الحرب بعيدًا عن ديارها، ثم قصد أصحاب الحالات الخاصة في أماكنهم. فوجد قومًا أخذت الحرب سقوف بيوتهم وتركت أبواب قلوبهم مشرعة للضيف، يستقبلونه ببشاشة كأن الرخاء مقيم عندهم، ويبسطون له من الود أكثر مما أبقت لهم الأيام من المتاع. قدم الزائرون ما يسد حاجة الجسد، ورد أهل أمبدة التحية بما يملكون من كرم، فصار الاحتفاء شكرًا للمملكة كلها، وصارت الوجوه السودانية بريدًا يبلغ الرياض من غير ورق.
‏وكانت المملكة قد سبقت وفدها إلى السودان بأثر يعرفه الناس في معاشهم. فقد بلغ ما نفذه مركز الملك سلمان للإغاثة مائتين وأربعة وثمانين مشروعًا، قاربت قيمتها مئة وسبعة وتسعين مليون دولار، وجاء ضمن أحدثها تأهيل ستة مستشفيات وإنشاء ثلاث محطات للأكسجين ينتفع بها ثلاثة ملايين إنسان. على الورق تُكتب القيمة رقمًا، وفي حياة السوداني تصير نفسًا عادت إلى صدر أضناه المرض، أو مستشفى نهض من عطب الحرب ليؤدي رسالته. هكذا استقر اسم المركز في وجدان الناس؛ حاضرًا قرب السرير الذي ينتظر الشفاء، وقريبًا من الأسرة التي ضاق عليها المأوى.
‏وقال مدير الإعلام والعلاقات العامة بالمركز شلهوب عبدالله شلهوب إن الوقوف مع السودان ردٌّ لدين هذا الشعب الطيب، فاختصر بكلمته تاريخًا طويلًا من الوفاء. عرفت المملكة خلال أعوام بنائها كفاءات سودانية وضعت علمها وخبرتها في خدمتها، وحفظت الذاكرة السعودية لأهل السودان ذلك السهم الكريم. والعلاقة بين الشعبين شراكة معروف قديم، يعطي فيها الأخ من قوته، ثم يجد قوة أخيه عند حاجته. وقد ازدحمت حول السودان في حربه أيدٍ شتى، حتى صار يعرف اليد من أثرها؛ ويد المملكة تسند جدار البيت المتصدع، وتعين أهله على إقامته، وتبقي مفاتيحه في أيديهم. تلك أخوة تصون الكرامة كما تصون الحياة.
‏وجاء حضور خالد العليان ليحمل هذه الصورة إلى عشرات الملايين من متابعيه. فقد ضاقت صورة السودان في الإعلام حتى كاد الدخان يستأثر بها، فوسعتها عدسته وأدخلت إليها شعبًا حيًّا تحت الجراح، يكرم ضيفه ويجمع شتات يومه وينهض من بين الركام. وكان ما وجده من حفاوة نصيبًا له وللوطن الذي جاء منه؛ فقد سبقه اسم المملكة إلى القلوب، وجاء هو فرأى المحبة في موضعها. خرجت صورة أمبدة تحمل إلى العالم حقيقة أوسع من خبر قافلة إغاثية؛ للخرطوم أخٌ في الرياض يقوّي عضدها، وللرياض في السودان أهل يحفظون الجميل، ومن ملك أخًا في الشدة ملك نصف النجاة.

زر الذهاب إلى الأعلى