آخر الأخبار

هل من الممكن أن تكون لغة الحوار الوطني : مسامحك يا حبيبي

‏ د. الباقر عبد القيوم علي


‏هنالك قصائد وأغاني سودانية يتجاوز مقامها الموسيقي حدود تطريبها ، وأصبحت جزء من الذاكرة السودانية ، وكأنها قيلت في زمن لم يأت بعد ، ومن تلك الأغنيات التي استطاعت أن تستقر في وجدان السودانيين أغنية مسامحك يا حبيبي ، التي كتب كلماتها الشاعر السر دوليب ، ولحنها وغناها الفنان عثمان حسين ، فقد تبدو الأغنية من وصف كلماتها حديثاً بين قلبين ، غير أن أعماقها تحمل معاني أوسع مما ذهب إليه الشاعر ، فكيف يستطيع الإنسان أن يحب رغم الجروح التي تسبب فيها المحبوب ، وكيف يعفو رغم القسوة التي مارسها معه ، وكيف يرى في الآخر مساحة بيضاء حتى عندما يشتد الخصام بينهما .

‏ولعل السودان اليوم أحوج  إلى استعادة هذه الروح ، فنحن أمام وطن أنهكه الخصام ، وأتعبته فكرة أن حضور الآخر يمثل غيابه ، وأن قبول الآخر يعني انتصاراً عليه ، حتى أصبحت بعض أبواب الحوار تُفتح بشروط مسبقة ، وتُغلق عند أول اختلاف ،  فأصبحنا نسمع العبارة التي تختصر مأزقنا كله : (إذا حضر فلان فلن أحضر) .

‏بهذه الصورة يتحول الوطن إلى غرفة ضيقة جداً ، يتسع فيها الخلاف حتى يضيق المكان بالجميع .

‏غير أن السودان أوسع من خصومات أبنائه ، وأقدم من خلافاتهم ، وأحق من الجميع بأن يُقدم على الحسابات الشخصية والحزبية والسياسية الضيقة ، وإذا كان الحوار (السوداني ـ السوداني) ضرورة ، فإن أول شروطه أن نقبل بفكرة (الآخر المزعج) ، نعم لكل طرف هنالك آخر يزعجه ، ولكل جماعة اسم تتحسس منه ، ولكل سياسي ذاكرة ثقيلة تجاه خصمه ، هذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار ، ولكن ما نحتاجه هو ألا نجعلها حكماً مؤبداً على مستقبل السودان .

‏في قصيدة السر دوليب التي ، لم يأت التسامح من فراغ ، فكانت هناك قسوة ، وغضب ، وجريمة ، وعتاب ، وظنون ، ومع ذلك تبقى المصلحة العامة ، والحب قادران على استعادة الشيء المفقود ، فنحن كلنا أخوان نختلف في أمور كثيرة ولكننا نتفق في حبنا لبلدنا ، وهذه هي الروح التي نحتاجها اليوم لتكون لغتنا ، نختلف دون أن نلغي الآخر ، ونعاتب دون أن نقطّع حبال الرجاء والوصل بيننا ، وأن نتذكر أخطاء الأمس دون أن نسلم لها مفاتيح الغد .

‏الحوار الوطني الحقيقي لا يحتاج إلى ملائكة يجلسون حول الطاولة الحوار ، ولكننا نحتاج إلى بشر ، بينهم من أخطأ ومن أُسيء إليه ، وبينهم من يحمل رواية مختلفة للتاريخ ، ومن يظن أنه وحده يمتلك الحقيقة ، فهؤلاء جميعاً هم السودان .

‏من الممكن ان يكون الحوار بمن حضر ، لأن الوطن لا يحتمل انتظار اكتمال صورة المتخالفين ، وبهذه الصورة سيظل الخلاف موجود ، وقد يأتي غائب الأمس عندما يجد أن الباب لم يُغلق في وجهه ، المهم يجب أن يظل الباب مفتوحاً للجميع .

‏نحتاج إلى شيء من التنازل ، وشيء من التناسي ، وكثير من التغافل النبيل ، وهنا ليس المقصود محو الحقوق ، أو دفن المظالم أو إعفاء أحد من المسؤولية ، ولكن المقصود أن ندرك أن العدالة والمصالحة يمكن أن يسيرا معاً ، وأن محاسبة الماضي لا تعني إعدام المستقبل .

‏ربما نستطيع أن نعيد سماع أغنية مسامحك يا حبيبي هذه المرة بأذن من الوطن ، وحينها قد لا يكون المخاطَب حبيباً واحداً ، فالسودان هو الحبيب الغالي ،  ورسالته إلى جميع أبنائه التي يقول فيها : (سامحوا بعضكم بما يكفي كي يبقى الوطن موحود) .

‏اتركوا للعتاب مكانه ، وللذاكرة حقها ، وللحقيقة مقامها ، ثم تعالوا إلى مائدة واحدة ، فالسودان لا يحتاج إلى منتصرين في الخصومة ولكنه يحتاج إلى شركاء في النجاة .

‏نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
‏.

زر الذهاب إلى الأعلى