آخر الأخبار

وداعًا أبا الوطن.. رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

سكتَ الصوتُ الذي أسمعَ الدنيا نبضَ قطر… وداعاً “أبا الوطن”
‏“إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”
‏بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ولسانٍ يعجز عن مجاراة حجم المصاب، تنعى الأمة العربية والإسلامية قاطبة، وينعى الديوان الأميري وأسرة آل ثاني الكريمة والشعب القطري الشقيق، فقيد الوطن الكبير، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية صباح اليوم الأحد 27 محرم 1448هـ الموافق 12 يوليو 2026، عن عمر ناهز 74 عاماً.
‏رحل من كان حاضراً في كل قلب، وغاب من كان اسمه أكبر من الغياب. جاء صغيراً في المهد، فرحل عظيماً في التاريخ؛ حمل الأمانة شاباً، وسلّمها شيخاً حكيماً، لا مهزوماً بل مختاراً، ولا مُدبِراً بل مؤثِراً.


‏كان رجلاً لا يشبهه الرجال؛ عقلٌ يخطط للقرن، وقلبٌ يحن للوطن، وإرادةٌ لا تلين ولا تنكسر. بنى حيث كان الآخرون يهدمون، وتحدّث حيث كان الآخرون يصمتون، وغامر حيث كان الآخرون يتردّدون. رفع صوت العرب حين كان الصوت مكبوتاً، وأعلى شأن الدوحة حين كانت الدوحة اسماً على الهامش، فحوّل الرمال إلى منابر، والصحراء إلى منصة عالمية، والصمت العربي إلى صوتٍ يُسمع في كل أرض. جعل من الكلمة الحرة سلطاناً، ومن الحوار سلاحاً، ومن الوساطة مجداً، ومن الجرأة في القرار نهجاً لم يُعرف قبله في المنطقة بهذا الاتساع.
‏لم يكن حاكماً بالوراثة فقط، بل كان قائداً بالفطرة؛ رأى ما لا يراه غيره، وجرؤ على ما لا يجرؤ عليه غيره، فبنى إعلاماً حراً تهابه العواصم، ورعى استضافة عالمية أدهشت الدنيا، وفتح لقطر أبواباً في السياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة لم تكن لتُفتح لولا رؤيته. وحين استوى الأمر واستقرّ البنيان، فعل ما ندر أن يفعله عظماء التاريخ: تنازل عن العرش طوعاً واختياراً، لا عن ضعفٍ بل عن قوة، ولا عن هزيمةٍ بل عن حكمة، مؤسِّساً بذلك لسابقةٍ سياسية نادرة تُروى للأجيال. تولّى الحكم فأعطى، وتنازل عنه فزاد عطاؤه؛ حكم فبنى، وتنازل فخلّد، وما زاده التنازل إلا رفعة، وما زاده الغياب إلا حضوراً.
‏اليوم، تفقد الدوحة أباً وتكسب ذكرى لا تموت؛ يغيب الجسد ويبقى الأثر، يُدفن الرجل وتبقى المآثر، فالجسد إلى تراب، والاسم إلى خلود، والحياة إلى زوال، والفعل إلى بقاء. رحيلٌ يترك في القلب فجوة لا تُملأ، وفي الذاكرة إرثاً لا يُطوى، وفي وجدان الأمة حزناً يتردد صداه من الخليج إلى المحيط، فكأن الفرح ارتحل يوم ارتحل، وكأن الحزن أقام حيث أقام.
‏وأمام هذا المصاب الجليل، لا تسع الكلمات المصنوعة حجم الرزء، فيستعير القلب المكلوم من عيون الشعر العربي أبياتاً خالدة، كأنما نُظمت اليوم لا قبل اليوم:
‏ما كُنتُ أَحسَبُ قَبلَ دَفنِكَ في الثَرى
‏أَنَّ الكَواكِبَ في التُرابِ تَغورُ
‏ما كُنتُ آمُلُ قَبلَ نَعشِكَ أَن أَرى
‏رَضوى عَلى أَيدي الرِجالِ تَسيرُ
‏خَرَجوا بِهِ وَلِكُلِّ باكٍ خَلفَهُ
‏صَعَقاتُ موسى يَومَ دُكَّ الطورُ
‏وَالشَمسُ في كَبِدِ السَماءِ مَريضَةٌ
‏وَالأَرضُ واجِفَةٌ تَكادُ تَمورُ
‏وما أصدق ما يُختم به مثل هذا الرثاء:
‏مَن ظَنَّ بَعدَكَ أَن يَقولَ رِثاءَ
‏فَليَرثِ مِن هَذا الوَرى مَن شاءَ
‏فبعد رجلٍ كهذا، يخفتُ الحرف حيث كان يعلو، ويعجز القلم حيث كان ينطق، ويظل الوفاء الحق أن يُروى للأجيال ما صنعت يداه، لا أن تُحصى بالكلام مآثره؛ فمن بنى بصمته أعظم مما بنى غيره بصوته، لا يُرثى بكلمة، بل يُرثى بذاكرة أمة بأسرها.
‏الديوان الأميري يعلن الحداد، وتنعطف القلوب في كل عاصمة عربية بالحزن، وتتوافد كلمات التعازي من قادة العالم إلى الدوحة، تكريماً لرجلٍ غيّر وجه بلاده، فغيّر معه وجه المنطقة.
‏رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرة آل ثاني والشعب القطري الصبر والسلوان.


‏“وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ

زر الذهاب إلى الأعلى