آخر الأخبار

الإنتظار المر ، في زمن الوعود الجوفاء ، والإحساس المتبلد

همس الحروف

د. الباقر عبد القيوم علي

عبر الشاعر التصويري المرهف الأستاذ علاء الدين عبد الرحيم أب سير بلسان فتاة بريئة مجروحة ، في قصة حب دامت 6 سنوات ثم تلاشت ، ولم يكن قصده أن يسرد لنا حكاية حب عذري تقليدية ، ولكنه أراد أن ينقل إلينا صورة صادقة لتجربة إنسانية أراها تتكرر كثيراً في واقعنا المعاصر ، حيث يطول الانتظار بالتخدير والوعود الوردية حتى تثقل الروح ، ويبقى الإنتظار معلقاً على لوح من الوهم ، ولا تجد هذه الوعود الجوفاء طريقها إلى التحقق ، ثم يأتي الرحيل مفاجئاً بدون حتى كلمة وداع ، قاطعاً كل أمل ، ومخلفاً وراءه فراغاً لا يملؤه وفاء .

‏يقول :

‏وداعاً ياسراب خداع محال ما بيروي عطشانين

‏وداعاً ياحلم عابر يسعد ويفرح النايمين

‏وداعاً ياكلام معسول حدو ومكمنو الشفتين

‏وداعاً ياسحابة صيف شايله مطر ظليل ورهين

‏تبشر بي خريف جايينا ويا ما الناس رجوهو سنين

‏وكل زولاً يفكر فيها ومامعروفة تنزل وين

‏وألف سلام عليك ياقلبي المسالم وديمه طبعو حنين

‏هذه الكلمات التي تلامس الوجدان لا تودع شخصاً بقدر ما تودع وهماً جميلاً تشكل في الدواخل حتى خُيل إليه أنه حقيقة ، فالسراب الذي عناه الشاعر أب سير ، وهو متقمصاً حالة هذه الفتاة التي أنهكها الانتظار ، وأعياها الوجد ، الذي لم يكن سوى وعود بدت قريبة المنال ، غير أنها لم تُرو عطش القلب ، وظلت خادعة للعواطف تلوح ولا تُمسك .

‏والحلم العابر هو ذلك الفرح المؤقت الذي يزور النائمين ، يبهجهم لحظة ثم يتلاشى مع أول مواجهة للواقع ، وكأنه لم يكن .

‏وأما الكلام المعسول فهو حديث لم يتجاوز الشفاه ، ولم يتحول إلى فعل ، ولم يرتقي إلى أبسط أنواع الإتزام ، كلمات تقال باللسان فقط لتُطرب السمع ، ولا بمكن أن تُبنى عليها حياة .

‏وتبلغ الصورة أوجها في سحابة الصيف تلك السحابة المثقلة بالمياة ، والتي تحمل في ظاهرها بشائر المطر ، غير أنها تظلّ معلقة ، غامضة المصير ، لا يُدرى متى تمطر ، أو أين تهطل … (يعني بالدارجي الفصيح)  مثل المكيف الخربان الذي يصدر إزعاجاً شديداً بدون برودة ، صور متداخلة ، باهتة الألوان ، تُحاكي أحلاماً مؤجلة ، ووعوداً تعيش على الرجاء أكثر مما تقوم على الواقع .

‏وفي هذا البوح ، لا يجد القلب ملاذاً إلا مصارحة الحقيقة ، أن بعض الإنتظارات تُرهق أكثر مما تُسعد ، وأن بعض العلاقات مهما إكتست بالجمال ، لا يُكتب لها البقاء ، ومن هنا ينبثق الوداع ، ليس بوصفه انكساراً أمام عصف الوعود الجوفاء ، ولكنه يظل هو الإختيار الواعي للنجاة من وهم طال انتظاره ، وإستنزف من الروح والقلب ما يكفي .

‏وهذا الأمر يصف حال بعضنا ، يكدون ويشقون ، ولا يجدون في المقابل أدنى تقييم ، ولا حتى عبارة شكر ، أو حتى نظرة وفاء ترد إليهم إعتبارهم .

‏فإذا أزف الرحيل ، فسامحوهم إن قصروا فيكم ، وأعذروهم إن أخطأوا في حقكم ، فهم معكم وأنتم لهم ، وللجميع لهم من الحب ما تسعه القلوب .

‏إنه وداع حبيب يحمل في دواخله طيبة نادرة ، وإعتذار ومحبة باقية ، رغم الألم والمعاناة ، وكأن لسان حالهم غلب ليقول : قد يرحلون ، ولكنهم لا يسيئون لأحد ، وقد ينكسرون ، ولكنهم لا يفقدون إنسانيتنهم .

‏ليست كل الحكايات خُلقت لتكتمل ، فبعضها وُجد لأجل أن يتعلم الناس منها ، فالحب وحده لا يكفي إن لم يُصاحبه صدق ، وأن الإنتظار لا يُثمر إن لم يكن له موعد محدد .

‏فالانتظار مر ، إذا كانت الوعود رمادية ، في مساحة زمن معلق بين رجاء لا ولن يكتمل ، وخيبة أمل لا ولن تُحسم إلا بالفراق ، حيث يذوب الأمل ببطء في ضباب الإحتمال .

‏ودمتم بخير وألف عافية
‏elbagirabdelgauom@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى