ما بين باريس والفاشر… عودة من حافة الغياب

د. ميادة الطيب البدوي
ما بين باريس والفاشر… عودة من حافة الغياب
اختفيتُ طويلاً…
حتى ظنّ الذين يحبونني أنني اخترت الصمت،
وظنّ الذين يراقبون كتابتي أن الحبر جفّ في عروقي.
لكن الحقيقة أكثر قسوة من الغياب نفسه.
لم أكن في باريس، ولا في مقاهي الحي اللاتيني حيث اعتدتُ أن أكتب رسائلي لكم على ضوءٍ أصفر حنون… كنتُ في الفاشر.
ذهبتُ مع منظمةٍ فرنسية تحمل اسمًا باردًا يشبه التقارير، لكن ما رأيته هناك كان ساخنًا بما يكفي ليحرق سنواتٍ كاملة من عمري في أيام.
في الطريق إلى المدينة كان التراب يعلو كأنه ستارٌ بين عالمين:
عالمٍ يعرف الأخبار…
وعالمٍ يعيشها.
الفاشر ليست مدينةً هذه الأيام،
إنها قلبٌ مكشوف.
عندما دخلناها، شعرتُ أن الهواء نفسه خائف.
البيوت تنظر إليك بحذر،
الأبواب نصف مفتوحة،
والأمهات يشددن على أيدي أطفالهن كأن العالم يمكن أن يُنتزع منهم في لحظة.
استقبلتنا قوات الدعم السريع بوجوهٍ جامدة لا تعرف إن كانت ترحّب بنا أم تحذرنا.
كان في عيونهم شيءٌ يشبه التعب…
وشيءٌ آخر يشبه القوة التي لا تريد أن تبرر نفسها.
تحدثوا معنا بلغةٍ رسمية،
لكن أصابعهم كانت قريبة من الزناد،
وكأن الكلمات نفسها لم تعد كافية لحماية أحد.
في تلك اللحظة فهمتُ أن الحرب لا تُرى في صوت الرصاص فقط…
بل في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى أخيه الإنسان.
ما لن أنساه ما حييت…
هو العيون.
عيون سكان الفاشر.
رأيتُ الخوف فيها كما لم أره في كتب علم النفس، ولا في أفلام الوثائقيات التي كنا نشاهدها في باريس ونحن نحتسي القهوة ونناقش “مآسي العالم الثالث”.
الخوف هناك ليس شعورًا…
إنه حالة سكن.
طفلةٌ كانت تنظر إليّ وكأنها تسألني:
هل جئتِ لتنقذينا… أم لتكتبي عنا فقط؟
لم أستطع أن أجيب.
امرأةٌ أمسكت بطرف ثوبي وقالت لي:
“أكتبِ الحقيقة… نحن تعبنا من الأخبار التي لا تشبهنا.”
ومنذ تلك اللحظة عرفتُ لماذا اختفيت.
لأنني عندما عدتُ…
لم أعد المرأة نفسها.
في باريس، سألني الجميع:
كيف كانت الرحلة؟
ابتسمتُ فقط.
كيف أشرح لهم أنني تركتُ جزءًا من قلبي هناك؟ كيف أقول إنني كلما أغمضتُ عينيّ رأيتُ تلك العيون التي لا تنام؟
عدتُ الآن…
لا لأكتب تقريرًا،
بل لأشهد.
سأحكي لكم عن الفاشر كما رأيتها،
عن الخبز الذي يُقسم بين خمسة،
عن الماء الذي يُشرب بحذر،
عن الضحكة التي تولد رغم الموت.
وسأحكي عن الخوف…
ذلك الذي يسكن العيون ولا يغادرها.
أنا د. ميادة التي تعرفونها…
لكنني أيضاً امرأةٌ عبرت من قلب النار وعادت،
تحمل في حقيبتها تراب دارفور،
وفي صوتها حكاياتٍ لا تحتمل الصمت.
انتظروا..


