ما بين المصباح ومناوي

عوض الله نواي – وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام
بورتسودان – 5 أغسطس 2025م
المصباح ومناوي… بوصلة لا تتبع الضوضاء
المصباح شاب نحيل القامة، ظاهر الضعف، باطنه بأس لا يُكسر ، صبته الحرب فصار صلبًا من نار الكرامة. وكعادة السودانيين، لا يتركون بطلًا طعنات ، نسجوا حوله الحكايات، حتى أن نائب الرئيس مالك عقار تحدث عنه وحذّر منه، ثم اعتذر لاحقًا حين أدرك أن هذا “النحيل” فعل ما لم يفعله من سمنت بطونهم بلحم الدولة وقلوبهم خاوية.
صحيح أنه ينتمي إلى تيار إسلامي ، بل كنا لا نقبله ، لكنّ قيادته لشبابه لم تكن من أجل شقف سلطة أو نهم منصب. ظلّ يجول في المارك ووسط الرصاص والدخان ، بيده حافظة تحفظ الانسلوين ويده الاخري عصاة رقيقة يؤشر بها نحو المليشا ، لكن بورتسودان تطلق الاشاعات كلحمة سائقة تتنازعها الأسود كما تتنازع الضباع جثة هامدة.
وبينه وبين مني أركو مناوي خيوط خفية من إشاعات سودانية ظلوا ينسجوها حولهم وهي ناتجة من مجموعتين ، كل مجموعة لها اجندة تختلف عن الآخري ، يسارين لهم عداء دائم لأي تيار إسلامي هؤلاء فريستهم هذا الشاب النحيل ، مجموعة اخري تسمي نفسها دولة البحر والنهر ، هذه تتغذي من العنصرية دماً طازجاً وتاكل من لحم الدولة وتطحن عظامها ، وهذه المجموعة تكيل الشتائم لمني وجبريل وعشر ، ولكل من بشرته داكنة ولكل من جاء من غرب السودان .
وحين تفرغ النفوس من الأمل، تمتلئ بالشائعات، وتتحوّل الشوارع إلى مسارح لقصص تُحاك على المقاهي، وتُبث على الهواء الطلق بلا رقيب.
إشاعة المصباح… ومكر العيون الخائفة
قيل إن المصباح أُوقف في مصر بعد حصوله علي تاشيرة رسمية من السفارة التي تعلم انه الصباح بن طلحة التي يقاتل عدو مشترك بين فاهرة المعز والخرطوم .
والحقيقة أنه لم يُوقف، بل اتُّخذت بشأنه إجراءات احترازية بسبب وجود عناصر سودانية موالية لحكومات سابقة – تسربت من الخرطوم كما يتسرب الماء من خرطومٍ مثقوب – تحمل له عداءً مكتومًا. وضعوا حوله تحوّطات أمنية حتى لا يُستهدف، لا أكثر ولا أقل.
في دولة ممزقة، تكفي لحية أو صورة قديمة لتصنع شبهة. وفي عالم عربي يمارس “الاشتباه” أكثر من العدالة، يصبح وجودك في مطارٍ مجرد احتمال للريبة، خاصة إن كنت سودانيًا تنتمي لمعسكر لم تهزمه المعارك، بل عقدت عليه الرهانات.
مناوي… المقاتل الذي يطلق النار ويبتسم
أما مني أركو مناوي، فهو رجلٌ لا يُحبُّ التجميل. يقاتل بجيشه في الميدان، ويقاتل بلغته في المنابر. قالها بلا مواربة: “الدعم السريع مليشيا استعمارية تنكّل بالشعب، لا مشروع لها، ولا أخلاق في سلوكها.”
لكن أحد الصحفيين سأله سؤالًا أشبه بالكمين: “هل لديكم تواصل مع الدعم السريع أو صمود؟”
أجاب مناوي بما لا يريدون سماعه: “لا تواصل الآن… لكننا لا نرفضه إن خُيّرنا. هم سودانيون!” واضاف هناك من يتواصل معهم بليل .
هنا اشتعلت الفبركات، وصار حديثه دليلًا على الخيانة عند من لا يعرفون الفرق بين السياسة والهوى، وبين الوطنية والمزايدة.
غادر مناوي البلاد في جولة عمل، فصنعت ماكينة الشائعات روايات كالحة، تتحدث عن انشقاقه، أو تمرده، أو سعيه لتوقيع اتفاق سري. كل هذا دون مصدر سوى “دولة البحر والنهار”، تلك الدولة التي تسوّق الغضب حتى وإن لم يكن غضبانًا، وتصنع الخيانات من ضمائر حية.
حين تكون الشائعة سلاحًا… والوطن هو الضحية
ما لا يدركه من يروّجون الأكاذيب أن الوطن ليس ساحةً لحرب الفرضيات، بل جسد يتآكله الطعن من الخلف. الشائعة، في بلد يتخطفه الجوع، وتنهشه الحروب، وتفترسه الكراهية، أخطر من الرصاصة. لأنها تقتل الثقة، وتنشر السموم، وتُحطّم البقية الباقية من الطمأنينة.
المصباح ومناوي، وإن اختلفت الملامح والانتماءات، يتشابهان في شيء واحد: الدفاع عن الوطن بلا ثمن. لم يطلب أحدهما وزارة، ولم يتحدث عن (استحقاق سياسي). بل حملا السلاح والكلمة، وظلّا وسط الناس، لا خلفهم ، بالرغم ان مناوي طلب طلبا مستحقاً وفقا لاتفاقية.
ذاكرة لا تنسى… حين انفصل الجسد السوداني:
في سنوات ما قبل الانفصال، حين كان الجنوب والشمال دولة واحدة، ساهمت التعبئة السالبة، والإشاعات الممنهجة، وخطابات الكراهية والبغضاء والعنصرية، في زرع الشقاق حتى تمّ الحصاد الأليم.
وها نحن اليوم نكرر ذات الأسلوب: إشاعات بلا ضابط، واتهامات بلا بينة، وكراهية تقتات من لحم الوطن.
خاتمة بحبر الفلاسفة
قال ابن رشد:
“التعصب في الرأي لا ينتج معرفة، بل ينتج فتنة.”
وقال ابن خلدون:
“إذا عمّت المكابرة في الرأي، طُمس العقل، واندثر الوطن.”
وقال أبو حيان التوحيدي:
“الجاهل عدو نفسه، فكيف لا يكون عدو وطنه؟”
وقال المعري:
“الناس في غفلة، والزمان في عثرة، والحقيقة بينهما تُصلب كل يوم.”
One Press… حين تكون الحقيقة


