العاصمة الخرطوم تعافت ، ولن تعود إلى مربع الخوف مرة أخرى أبداً

إن الهجوم الأخير بالطائرات المسيرة ، الذي استهدف محيط مطار الخرطوم الدولي ، وأدى إلى سقوط أربعة ، من بينهم ثلاثة أطفال ، يعيد إلى الأذهان تلك الأهداف الحقيقية التي كانت الحرب من اجلها ، وهي كسر المواطن السوداني ، لا غير ، خلاف ما تدعيه المليشيا من شعارات ومبررات ، فما الذي يمكن أن تحققه مثل هذه الهجمات التي تستهدف المناطق المأهولة بالسكان ، سوى تعريض المدنيين للخطر وتعطيل الحياة المدينة التي تحاول العودة إلى طبيعتها ، بعد تحرير الخرطوم من قبضة هؤلاء الأوباش وأصحاب الأجندات .
إن استهداف الأحياء المدنية لا يغير حقيقة أن الخرطوم بدأت تستعيد حضورها وبقوة ، باعتبارها مركز لمؤسسات الدولة والحياة العامة ، وأن محاولات بث الخوف وتعطيل عودة الحياة لن ينال من إرادة المواطنين في استعادة عافية عاصمتهم .
تعافي الخرطوم لم يكن بالأمر السهل ، فعودة الحياة إلى طبيعتها يعبر عن إرادة شعب لا يمكن قهره أبداً ، فالإعتداء على حياة الناس ومحاولة تعكير إستقرارهم الذي بدأ يستعيد مكانه في المدينة أمر لن يخيفهم البتة .
لا تزال المليشيا وواجهاتها السياسية تردد خطاب العاجز ، وتتمسك بعبارات لا يبدو أن الغرض منها سوى كسب الوقت ، مثل (حكومة بورتسودان) و(حكومة الأمر الواقع) ، والحقيقة الثابتة التي لا يغيرها تكرار مثل هذه الأوصاف ، شاء من شاء وأبى من أبى ، هي أن هذه الحكومة تمثل الشعب السوداني ، وهي اليوم تباشر أعمالها من مقارها الرسمية في الخرطوم ، بالتزامن مع استمرار الجهود الرامية إلى إعادة الحياة إلى العاصمة واستعادة عافيتها بالكامل .
ويبدو أن استعادة المدينة لقدر من الاستقرار تزعج من راهنوا على إستمرار الفوضى ، ولكن أمن الناس لا ينبغي أن يكون ساحة لتصفية الحسابات السياسية .
وفي ظل التطورات الميدانية المتسارعة في غرب كردفان ، وشرق دارفور ، تبدو المليشيا غارقة في حالة من التخبط والارتباك ، وسط عجز تام عن إستيعاب مآلات الحرب التي أشعلتها ، وما يمكن أن تفضي إليه من انهيار كامل لمشروعها العسكري والسياسي ، ويبدو أن مساعي جناحها السياسي المحمومة لوقف الحرب وفرض هدنة لا تنفصل عن مخاوفه من وصول الجيش إلى عاصمتهم نيالا ، بما قد يضع حداً لوجودهم في المدينة ويفكك نفوذهم في بقية مدن دارفور .
ولهذا نجد أن جناحها السياسي لم يدخر جهداً في طرق أبواب جميع المسؤولين وصناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية ، وكندا ، والدول الغربية ، سعياً إلى إنتزاع هدنة بأي ثمن لمنح المليشيا فرصة لإلتقاط أنفاسها ، وإعادة تنظيم صفوفها ، وترميم قدراتها العسكرية ، والحصول على مزيد من الإمداد .
غير أن أي هدنة اذا حدثت لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة لإعادة إنتاج الحرب أو إطالة أمدها ، ولهذا يجب أن تقترن أي هدنة بضمانات حقيقية لحماية المدنيين ومنع إستغلالها لإعادة ترتيب القدرات العسكرية .
فالمطلوب ليس تجميد المعركة مؤقتاً بما يسمح باستمرار الأزمة ، ولكن من أجل التوصل إلى سلام دائم ينهي التمرد ، ويعيد سلطة الدولة ، ويضع حداً لمعاناة السودانيين في نيالا وسائر مدن دارفور .
لن ترهب المسيرات أهل الخرطوم ، ولن تجعل الأسر التي إستعدت للعودة إلى ديارها أن تتخلى عن العودة ، فالأمان الذي يتطلع إليه الناس هو إرادة شعب لا ولن تنكسر ، فالأمن حق لا يجوز العبث به أبداً .
قد تعطل هذه الهجمات بعض مظاهر الحياة للحظات محدودة ، ولكنها سرعان ما تستأنف وتيرتها من جديد ، ولذلك يحب أن تعلم المليشيا وأعوانها ، أنهم لن يستطيعوا محو رغبة الناس في العودة ، ولن تنال هذه الهجمات من إخماد إصرارهم على إعادة بناء ما دمرته الحرب ، وستبقى الخرطوم عصية أمام الخوف والجبناء والعملاء ، وماضية بإذن الله تعالى في طريق التعافي واستعادة عافيتها ، مهما طال الطريق .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
.


