عندما تصمت البنادق بعد الحرب ، هل تصمت معها جراح نساء السودان

من الصعب أن تروى للناس أوجاع نساء السودان خلال فترة الحرب ، وهي أوجاع لا تظهر في الصور التي إلتقطتها الكاميرات للدمار ، ولا تُحصى ضمن أعداد القتلى أو المفقودين أو النازحين ، إنه وجع داخلي لا ينتهي بانتهاء الحرب ، فما حملنه نساء السودان في أجسادهن وأرواحهن خلال هذه الفترة القاسية ، يصعب على الجبال الراسيات حمله ، فقد وجدن أنفسهن في مواجهة إنتهاكات فظيعة ، وكأن الحرب كانت ضدهن فقط ، فخلفت في دواخلهن ندوباً قد تكون أعمق من أن تراها العين المجردة ، ولكنها موجودة وما زالت تنزف .
ما حدث لبعضهن لا ينبغي أن يُفهم باعتباره أمراً عادياً يمكن أن يحدث في الحروب وينتهى الأمر على ذلك ، فخلف كل واقعة امرأة لها اسم وبيت وأسرة وذاكرة ، وربما أم أو طفلة أو زوج ينتظر عودتها كما كانت ، لكنها تعرف في قرارة نفسها ، أن شيئاً منها لن يعود كما كان .
أقسى ما في هذه المأساة أن الحرب قد تمنح الضحية لحظة نجاة لينجو بجلده ، ولكنها ليس بالضرورة أن تمنح الضحية طريقاً إلى التعافي ، ومحو ما حدث من إنتهاك ، قد تنتهي أصوات الرصاص وتخمد الحرب ، بينما سيظل الخوف موجود داخل أي إمرأة أُنتهكت ، وقد يحاول البعض فتح طرق آمنة لهن ، إلا أن بعضهن سيعلقن بتلك اللحظة التي انكسر فيها كل شيء .
في الخطب السياسية ، قد نسمع أشد عبارات الإدانة لمثل هذه الانتهاكات ، غالباً من أجل الاستهلاك السياسي فقط ، فما إرتكبته المليشيا من فظائع في حق بعض النساء لا يُغتفر أبداً ، ولهذا نجد تقبل معظم الناس تجاه فكرة الحوار السوداني الذي يأتي بالجناح السياسي للمليشيا فاتر جداً ، أو مرفوض تماماً ، فهنالك أوجاع تجلجل في صدور معظم أفراد الشعب ، ولهذا نجدهم لا يتقبلون أبداً كل من دعم المليشيا ، أو من صمت عن إدانتها .
ويجب علينا أن نتفهم إحساسهم ونتقبل رأيهم ، ومن هنا تصبح مسؤولية المجتمع والدولة والمنظمات الإنسانية أكبر من إدانة ما حدث لهولاء النسوة ، وهنا نحن لا نتحدث عن الفقد المادي الذي طال جميع أهل السودان ، ولكننا نتحدث فقط عن الأثر النفسي جراء الإنتهاكات التي حدثت للنسوة ، إذ تتطلب هذه المسؤولية الإعتراف بعمق الجراح التي خلفتها تلك الفظائع ، ومحاولة فهم مشاعر الضحايا وذويهم ، والتعامل معها بما يضمن العدالة والمساءلة وحفظ كرامة المتضررين .
المرأة التي تعرضت للإنتهاك تحتاج إلى العلاج والتأهيل النفسي ، وإلى الأمان ، وإلى من يسمعها دون أن يحاكمها ، وإلى رعاية نفسية تحفظ ما تبقى من توازنها ، وإلى شعور بأن العالم لم يتركها وحدها بعد أن نجت من جحيم الحرب ، فما بال النساء اللاتي أُخذن وتم بيعهن في دول الجوار ؟ ، إنهن ما زلن مفقودات ، ولا يزال مصيرهن مجهولاً ، فأين هن الآن ؟ ، ومن يبحث عنهن ؟ ، ومن يملك إجابة عن مصيرهن ؟ ، كل هذه الاسئلة ليس لها إجابة .
جاءت المبادرة القطرية التي أُعلن عنها خلال زيارتها الدكتورة مريم بنت علي بن ناصر المسند إلى السودان ، بتخصيص عشرة ملايين دولار لدعم النساء اللاتي تعرضن للإنتهاكات ، لتمكينهن إجتماعياً ونفسياً ، إلى جانب مساعدات إنسانية أخرى .
لكن تبقى المسألة الأهم ، هل الدولة أوصلت هذه الأمانة القطرية إلى النساء اللواتي كان يفترض أن تصل إليهن ؟ .
إين ذهبت هذه الأموال التي وصلت البلاد لهذا الغرض ، إنها أمانة ثقيلة ، لأنه كان وراء كل مبلغ هنالك امرأة تنتظر علاجاً عاجلاً ، وأسرة تنتظر سنداً ، وإنسانة تتمنى أن تجد من يقول لها إن ما حدث لم يسلبها إنسانيتها .
نحن اليوم لا نملك أن نمحو ما حدث لهن ، ولكننا نملك ألا نترك ضحايانا لوحدهن .. نسأل الله أن يخفف عن نساء السودان وجع ما مررن به ، وأن يرد إليهن شيئاً من الطمأنينة ، وأن يهدي كل من يملك سلطة ، أو مال ، أو قرار ، إلى أداء الأمانة كما ينبغي ان تكون .
فقد تصمت البنادق في يوم ما ، ولكن جراح النساء لن تصمت أبداً ، إلا إذا وجدن من يمد إليها يديه بكل صدق وتجرد .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com


