المدفعجي ، عين فاحصة على نتيجة المتوسطة ، وأخرى على ما وراءها

الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد والي الولاية الشمالية ، رجل لا يمر على المواضيع مروراً عادياً ، نجده يتوقف عند تفاصيلها ، ويبحث في دقائقها ، ويدقق في أعمق معانيها ، ولذلك لم يكن حضوره في مؤتمر إعلان نتيجة الشهادة المتوسطة كحضور غيره ، فقد كان يستمع إلى الأرقام والتقارير التي تُتلى أمامه بتمعن شديد ، ويتابع تفاصيلها بعين فاحصة .
لم يخرج من المؤتمر كما جاءه ، ولم يكن من العابرين على تفاصيله ، فما سمعه من أرقام وما وقف عليه من مؤشرات إستوقفه طويلاً ، ودفعه إلى التأمل فيما وراء النتائج ، بحثاً عن المعاني والدلالات التي تحملها تلك الأرقام .
ففي خضم فرحة إعلان النتيجة ، وإنشغال الحضور بالتبريكات والحديث عن نجاح العام الدراسي ، توقف الرجل عند الارقام ، فقد إستوقفه أن عدد الطالبات بلغ نحو ستة آلاف طالبة ، مقابل قرابة ثلاثة آلاف طالب فقط ، وهو فرق لافت أثار لديه سؤالاً مهماً يتجاوز حدود الأرقام إلى ما تحمله من تفاصيل .
هذا التبابين في نسب البنين والبنات جعله يطرق باب السؤال ، أين البنين ؟ ، ولماذا لا يتجاوز عددهم نصف عدد البنات ؟ ، وهنا تحديداً يظهر الفرق بصورة واضحة بين من ينظر إلى الأرقام بوصفها أرقام ، ومن يقرأ ما وراءها من دلالات .
فالرجل فيما يبدو ، لا تمر أمامه شاردة ولا واردة دون أن تستوقفه ، يفكك تفاصيلها ، وينبش في أسبابها ، ويتتبع خلفياتها ، ثم لا يكتفي بالسؤال عن المشكلة ، ولكنه يبحث عن الطرق العلمية إلى معالجتها .
ومن هنا جاء توجيهه المباشر إلى وزير التربية والتعليم بالولاية ، بعقد مؤتمر موسع حول التعليم ، للجلوس إلى المختصين وبحث الأسباب الحقيقية وراء تسرب البنين من المدارس ، والوقوف على العوامل التي تقف وراء هذا الخلل ، ثم وضع حلول عملية وواقعية تسهم في إعادتهم إلى مقاعد الدراسة ، واستعادة التوازن الذي بدا إختلاله واضحاً في أرقام النتيجة .
وهذه نظرة والد قبل أن تكون نظرة والي ولاية إلى مستقبل الإنسان في الشمالية ، فالمسألة عنده لا تتعلق بأرقام تُقرأ في كشف النتائج ، ولكنها تتعلق بمستقبل أجيال تتشكل ملامحه اليوم ، فالمدرسة هي الطريق الذي يعبر به الطلاب إلى مستقبلهم ، ومن يفقد مقعده فيها ، قد يفقد فرصته في بناء ذلك المستقبل .
ونحن نعلم أن السيد الوالي من جيل (مدرسة الحفر بالإبرة) ، في دلالة على طول البال في التدقيق ، والصبر على التفاصيل ، وعدم التسرع في إصدار الأحكام ، وهي مدرسة لا تمل البحث والتنقيب في أدق التفاصيل ، ولا تكتفي بظاهر الأشياء ، لتمضي إلى أعماقها بحثاً عن الأسباب والحلول .
غير أن الوالي ، في هذا الشأن تحديداً ، أراد أن يجعل الحفر أسرع من وتيرته العادية ، وأن يستحدث له أدواته التي توصله إلى مكامن الخلل في أقصر وقت ممكن ، ولعل قيمة هذا التوجيه ، إلى جانب سرعة صدوره ، تكمن في أنه يعكس حرصاً واضحاً من الوالي على مستقبل أبناء الولاية ، إدراكاً منه بأن معالجة مشكلات التعليم لا تحتمل الانتظار والتسويف .
خرج الرجل من مناسبة كان يمكن أن تنتهي بإنتهاء مراسمها وإعلان نتيجتها ، ولكنه لم يتعامل معها بإعتبارها أمراّ ينتهي بانتهاء لحظته ، فجعل من رقم ذكر إمامه في كشف الممتحنين قضية تستحق الدراسة ، والبحث في دلالاتها ، وصولاً إلى الدعوة لعقد مؤتمر يناقش الأسباب الحقيقية لتسرب الطلاب من المدارس ، ويبحث عن الحلول الكفيلة بمعالجة هذه الظاهرة .
نتمنى أن يرى هذا المؤتمر النور في أقرب وقت ممكن ، وأن يتجاوز حدود القاعات والكلمات إلى نقاش جاد يضع الظاهرة أمام أسبابها الحقيقية ، فيُسمّي الأشياء بأسمائها ، ويستمع إلى المختصين ، والمعلمين ، والأسر والطلاب ، ويضع يده على الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تسرب البنين من المدارس ، ثم يخرج بحلول علمية ، وعملية قابلة للتنفيذ والمتابعة ، حتى لا تبقى التوصيات كنصوص في الأوراق ، ولا يكون المؤتمر مجرد مناسبة تنتهي بإنتهاء جلساته .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
.


