آخر الأخبار

المجدُ عُوفيَ إذ عُوفيت: رسالةٌ إلى المشير في محبسه، ونداءٌ إلى القائد العام‏

مهندس: طارق حمزة زين العابدين
‏
‏المَجدُ عُوفِيَ إذ عُوفِيتَ والكَرَمُ
‏وزالَ عنكَ إلى أعدائِكَ الألَمُ

‏
‏سيدي المشير عمر حسن أحمد البشير،
‏إليك في محبسك أكتب، وإلى سريرك الذي أثقله المرض أبعث التحية، وإلى صبرك الذي لم تهزمه السنون أرفع هذه الكلمات. أكتب إليك وقد تجاوزت الثمانين من عمرك، وقضيت ما يقارب ثماني سنوات بين جدران الاحتجاز. تتناقل الأنباء أن صحتك تدهورت، فيتداولها الناس بين مشفقٍ يدعو لك ومتعجبٍ يسأل: كيف يبقى رجلٌ في مقامك وسنّك وتاريخك رهين القيد، وهو أحوج ما يكون إلى الدواء والرعاية والسكينة؟
‏
‏عافاك الله يا سيدي، فعافيتك عافيةٌ لمعنى كبير في وجدان هذا الشعب: معنى الجندي الذي لا ينحني، والقائد الذي لم يغادر بلده حين كان الرحيل ممكناً، والرجل الذي اختار أن يواجه مصيره فوق تراب وطنه وبين أهله.
‏
‏الرجل الذي لم يستجدِ أحداً
‏
‏سيدي الرئيس، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة،
‏
‏أعلم أن كثيراً من الصحفيين والإعلاميين، بل كثيراً من عامة أهل السودان، كتبوا إليك يطالبون بإطلاق سراح المشير البشير ويناشدونك في أمره. لكني أعلم، ويعلم الشعب السوداني معي، أن المشير نفسه ربما لا يرضى بتلك المناشدات، وربما يرى فيها شيئاً من الضعف والوهن. وكيف لا، وهو من هو؟
‏
‏يُروى أنه حين أُبلغ بقرار اللجنة الأمنية تسلّم السلطة لم يجزع ولم يساوم، بل قال بثبات: “انتو أولادي في الجيش، ابقوا عشرة على البلد”. كانت تلك وصية جنديٍّ يسلّم الأمانة، لا كلمة حاكمٍ يبكي على ملكٍ ضاع.
‏
‏وكيف لا، وهو الذي وقف في قاعة المحكمة مرفوع الرأس، وقال بملء فيه: “أتحمل كامل المسؤولية عما تم في 30 يونيو”، ثم نفى أي دور لمن حوكموا معه في ذلك القرار. حمل المسؤولية كاملة، ولم يحتمِ بأحد، ولم يرمِ بأوزار القرار على كتفٍ غير كتفه.
‏
‏وكيف لا، وقد وقف منتصباً في محاكمته يرفض أن يطلب تخفيف الحكم، وقال كلمته التي ستبقى طويلاً في ذاكرة السودانيين: “أنا ضابط رفيع بالقوات المسلحة، لا أستجدي أحداً، ولا أطلب التخفيف”.
‏
‏أتدري يا سيدي الرئيس لماذا قالها؟ قالها لأنه ابن المؤسسة العسكرية وواحدٌ من عظمائها. كان في محبسه ينتصر لتلك المؤسسة لا لنفسه. لم يقل “أنا عمر حسن أحمد البشير”، بل قال “أنا ضابط رفيع بالقوات المسلحة”. قدّم الرتبة على الاسم، والمؤسسة على الشخص، والشرف العسكري على النجاة الفردية.
‏
‏
لهذا لا أناشدك
‏
‏لذلك لن أكتب إليك مستعطفاً ولا مناشداً، فالرجل الذي أكتب عنه لا يرضى بالاستعطاف. إنما أكتب إليك لأنك تقود هذا الجيش اليوم، ولأنك وحدك من يستطيع أن ينتصر لمعنى تلك الكلمات.
‏
‏تقف اليوم على رأس جيشٍ عظيم في أخطر مراحل تاريخ السودان، ومن خلفك الشعب السوداني كله، في الداخل والمهجر، يهتف لك وبك من أجل النصر ودحر الجنجويد، وحفظ وحدة البلاد وكرامة أهلها. وفي هذه اللحظة لا تُقاس هيبة القيادة بما تحققه في الميدان وحده، بل كذلك بما تصونه من قيمٍ داخل المؤسسة التي تقودها.
‏
‏نعم، يختلف الناس حول تجربة البشير السياسية، وتتباين الآراء في سنوات حكمه وقراراته ومآلات عهده، وتلك مسائل يفصل فيها التاريخ والقانون. لكن الخلاف لا يسلب الإنسان حقه في العلاج، ولا يحرم رجلاً أنهكه المرض وأثقلته السنون من أن يلقى من دولته رعايةً كريمة تليق بعمره ورتبته.
‏
‏ثم إن أبواب العفو تُفتح اليوم لكثيرين. نرى من أوغلوا في دماء السودانيين يُستقبلون استقبال الفاتحين، وتُمنح لهم العفوات الرئاسية؛ تارةً لأن العفو من شيم السودانيين، وتارةً ليتركوا المليشيا ويعودوا إلى صف الوطن. وأياً كان السبب، فإن المشير عمر حسن أحمد البشير أولى بالرحمة، وأحق بالتقدير، وأجدر بأن تشمله نظرةٌ إنسانية ووطنية عادلة.
‏
‏هكذا علّمتنا الجندية السودانية
‏
‏في تاريخ هذه المؤسسة شواهد لا تزال حيةً في الذاكرة. فحين عاد الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري من منفاه في مصر، لم يُعامل خصماً مطارداً، بل لقي في عهد البشير الإكرام والاحترام، وعاش في وطنه مقيماً كريماً حتى وافته المنية.
‏
‏والبشير نفسه كان يوقّر قادته السابقين. ولقد شهدتُ بنفسي مشهداً لا يُنسى في الإفطار السنوي الذي كانت قيادة الجيش تقيمه في نادي ضباط القوات المسلحة بالخرطوم، حين هبّ الرئيس البشير من مجلسه وأسرع إلى باب السيارة يستقبل قائده السابق ووزير الدفاع الأسبق الفريق أول عبد الماجد حامد خليل، ثم أخذ بيده إلى مكانه في المجلس. لم يكن ذلك بروتوكولاً، بل تعبيراً عن عقيدةٍ عسكرية سودانية راسخة تحفظ للكبير قدره، وللقائد مقامه، ولمن سبق فضل السبق.
‏
‏هذا هو تاريخ الجيش السوداني العظيم، وهذه هي قيادته التي يفخر بها الشعب ويفاخر.
‏
‏
فهلّا انتصرتَ للمؤسسة
‏
‏سيدي القائد العام،
‏هلّا انتصرت اليوم للمؤسسة العسكرية كما انتصر لها البشير في محبسه؟ هلّا أطلقت سراح المشير عمر حسن أحمد البشير، وأشرفت بنفسك على علاجه في الداخل أو الخارج على نفقة الدولة، ثم كرّمته تكريماً يليق برتبة المشير وبمن حكم السودان ثلاثين عاماً؟
‏
‏وأظنك أهلاً لذلك، فأنت ابن المؤسسة العسكرية ذاتها التي أنجبت الفريق إبراهيم عبود، والمشير جعفر نميري، والمشير عبد الرحمن سوار الذهب، والمشير عمر البشير، والفريق أول عبد الفتاح البرهان، وستبقى بإذن الله تنجب عظماء السودان جيلاً بعد جيل.
‏
‏السلطة تزول وإن طال أمدها، والمناصب تنقضي وإن علا بريقها، ولا يبقى في آخر الأمر إلا نبل المواقف. والتاريخ لا يسأل فقط من حكم ومن انتصر، بل يسأل أيضاً: من رحم حين كان قادراً على الرحمة؟ ومن أنصف حين كان القرار بيده؟
‏
‏افعلها يا سيدي الرئيس. افعلها وفاءً قبل السياسة، ورحمةً قبل الحسابات، وانتصاراً للجيش الذي تقوده قبل أي شيء آخر. أحسِن إلى البشير، يُحسن إليك التاريخ يوماً.
‏
‏وأنت يا سيدي المشير عمر حسن أحمد البشير،
‏كن بخير، فالمجدُ عُوفي إذ عُوفيت، والكرمُ.

زر الذهاب إلى الأعلى