رأي

الحكم.. والمال.. والنساء!

بورتسودان – 12 يوليو 2025
✍️عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

  • هكذا الدنيا تُترين بثلاثٍ: المال، والنساء، والحكم.
    لكن عند أهل السودان – في فقههم الشعبي العجيب – يأتي “الحُكم” من نصيب المستضعفين من النساء والرجال؛ فيتقدم الطيبون طمعًا في التغيير، ثم ما يلبث أن يُصفَّى الطيبون، ويتسلّق اللزجون.
  • تعثرت حكومة كامل إدريس، فتدخلت أيدٍ خفية لإجراء عملية قيصرية: طلقٌ صناعي، و”دفر وجبد”، حتى خرجت التشكيلة الوزارية، أقرب إلى ولادة مُتعسّرة منها إلى إعلان نصر ديمقراطي.
    ورغم كل شيء، احتفظ كامل إدريس بحقيبة الخارجية لنفسه – وهذا حُسن تدبير، في عرف جمهور علماء السياسة، فالخارجية هي تذكرة الحضور في المحافل الدولية، وهي سلاح الدولة الهام في زمن تتعدد فيه أدوات النفوذ، وتختلط فيه الدبلوماسية بالنجاة.
  • لكن وزارة واحدة، بقيت يتيمة بلا وزير: وزارة الرعاية الاجتماعية والضمان.
    وبما أن هذه الحقيبة من نصيب حركة العدل والمساواة، فإن من الأنسب، بل من الأوجب، أن تُسند إلى الدكتور معتصم أحمد صالح.
    لماذا؟
    لأنه رجل منظم، دقيق، له علاقات واسعة، والأهم من ذلك: نشأ وسط الجلابة في نهر النيل. يعرف طباعهم، يُجيد الحديث بلغتهم، ويمكنه التماهي مع بيئتهم دون أن يفقد هويته أو رؤيته. وهذا في السودان ليس تفصيلاً بسيطًا، بل مفتاحًا للحكم نفسه.
  • لكن، بعيدًا عن الشخصيات، يبقى التحدي الأكبر في ممارسة الحُكم الرشيد.
    والحكم الرشيد لا يبدأ من “رئاسة الوزراء”، بل من تفاصيل صغيرة يُهملها الكبار، ثم تتكاثر لتصبح سرطانًا إداريًا.

نقطة البداية؟ مدراء المكاتب.

  • هذه طبقة طفيلية من البرجوازيين الصغار، تتحكّم في المعلومة، في الجداول، في القرارات، وتعيد إنتاج “السلطة داخل السلطة”.
    لابد من قانون صارم ينظم تعيينهم، يحدّد الكفاءة، ويمنع توريث الوظائف على طريقة “ده ولدنا”.

ثم المال.
ليس المال العام مجرد أرقام.
لابد من لائحة موحدة لتنظيم سفر الوزراء، وضبط وفودهم، وتقنين ما يُصرف في المهام الخارجية.
فمن العار أن يطلب الوزير من الدولة أن تُنفق عليه، ثم يسافر بزوجته وأبنائه تحت بند “مرافقين”.

ثم النساء.
في عالم السياسة، لا مجال لاستخدام النساء واجهات تجميلية في الوزارات. لا نريد “تمكينًا ناعمًا”، بل حضورًا جادًا حقيقيًا.
الوزيرة يجب أن تكون وزيرة لأنها كفء، لا لأنها “مناصفة”.

المهم: الحكم الرشيد له ميزان، لا يُخدع بالابتسامات ولا بالهتاف.

وقد قال سقراط:

“الخطأ الأكبر في السياسة، أن يحكم من لا يحسن الحكم.”
وقال أيضًا:
“الحق لا يُعرف بكثرة المتكلمين، بل بكثرة الصامتين الذين يراقبون.”

وقال أحدهم من فلاسفة العصر:

“حين يُصبح الحُكم وسيلة للظهور، يصبح الفقر قدرًا للشعوب.”

فلنحكم بما يُصلح، لا بما يُصفّق له.
ولنبدأ من الداخل… من الوزارات، من المكاتب، من تفاصيل التفاصيل.

زر الذهاب إلى الأعلى