الطبيب والمتهم والسكين

للوهلة الأولى يبدو توم براك ومسعد بولس خارجين من الورقة نفسها؛ كلاهما أميركي من أصل لبناني، ورجل أعمال قريب من الرئيس دونالد ترامب، وكلاهما دخل الدبلوماسية من باب جانبي لا يعرف طوابير الخارجية ولا ينتظر دورها، وقد دفع بهما الرئيس إلى ملفات لا يقترب منها الدبلوماسي التقليدي من دون حقيبة مملوءة بالتعليمات، غير أن الأبواب الجانبية لا تقود دائمًا إلى الغرفة نفسها؛ وصل براك إلى طاولته وهو يعرف ماذا يريد، وظل بولس ينتقل بين الطاولات كأن كثرتها تعوّض غياب النتيجة، ومن هذه المسافة بين وضوح المهمة واضطراب البوصلة تبدأ المقارنة بين الرجلين.
براك رجل صفقات دخل السياسة من باب المال، ولم يتكلف الادعاء بأنه جاء ليخلّص الشرق من أحزانه القديمة، فهو يتحدث بوضوح التاجر الذي يضع السلعة والثمن فوق الطاولة، وقد تختلف معه في تعريف الربح، غير أنك تعرف ما الذي يريده، وقد أُعطي ملفات سوريا وتركيا ولبنان ففتح قنوات التهدئة بين سوريا وإسرائيل، ودعم مسار دمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة السورية، وأسهم في إعادة دمشق إلى دائرة التعاون ضد «داعش»، وعمل بين أنقرة وتل أبيب ودمشق على منع سوء التقدير العسكري، ولم ينجح في كل شيء، غير أن في يده ما يستطيع عرضه: اتفاق وقناة وتهدئة ومسار يتحرك، والسياسة تمنح درجاتها على مقدار ما تغير في الأرض بعد مغادرة الموكب.
أما مسعد بولس فقد دخل إفريقيا بعناوين واسعة حتى بدا أن القارة اختُصرت في حقيبته، وطاف بين السودان وليبيا والكونغو ورواندا والقرن الإفريقي حتى خُيّل للمرء أن السلام برنامج للمسافر الدائم، غير أن دفاتره انتهت إلى النتيجة نفسها: في الكونغو ورواندا جمع التوقيعات وفشل في جمع الأرض عليها، فخرج الاتفاق من القاعة في ثياب النصر ثم ضل طريقه إلى الميدان، وفي ليبيا كثرت الزيارات وبقي الانقسام، وفي القرن الإفريقي تحركت الطائرات ولم تتحرك الأزمات، وفي السودان طرح هدنة لم يقبلها طرفا الحرب، وهكذا أصبح أقرب ما عنده إلى النجاح هزيمة ترتدي ربطة عنق، وأصبح نشاطه الكامل صورة أخرى للفشل في الاتجاه الخطأ.
وفي السودان ظهرت مشكلة بولس من دون مساحيق، فقد اختار إطارًا يضع الإمارات داخل غرفة الوساطة مع أن الحكومة السودانية تتهمها بدعم «قوات الدعم السريع»، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، وكان المنتظر من الوسيط أن يبدد الشبهة فإذا بالشبهة تجلس إلى الطاولة وتحمل صفة الوسيط، ثم انتقل الرجل من محاولة إقناع السودانيين إلى الضغط على ممثل السودان وصولًا إلى أزمة تأشيرة الفريق عبدالفتاح البرهان للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهنا فقدت الوساطة معناها قبل أن تفقد نتيجتها، فالجرحى لا يطمئنون إلى طبيب يدخل غرفة العمليات برفقة المتهم بحمل السكين، والمبعوث الذي يعجز عن كسب الثقة قد ينتزع توقيعًا تحت الضغط، لكنه لن يصنع سلامًا يعيش بعد مغادرته.
الفارق بين الرجلين أعمق من عدد الاجتماعات والصور، فبراك يتحرك وهو يعرف أن مهمته خدمة المصلحة الأميركية، لذلك يساوم ويضغط ويغضب الحلفاء ويصالح الخصوم ثم يضع النتيجة أمام رئيسه، أما بولس فقد صارت الرؤية الإماراتية في الملف السوداني أقرب إلى لغته من نبض السودان، ولا يعود مهمًا أكان ذلك انحيازًا أم عجزًا عن قراءة المشهد، فالسياسة تحاسب على الفاتورة لا على النية المكتوبة في أسفلها، وقد رفع ترامب شعار «أميركا أولًا» ففهمه براك على قسوته، فيما ترك بولس انطباعًا بأن أميركا على رأس الطاولة والإمارات في قلبها والسودان خارج الغرفة ينتظر أن يُطلب منه التوقيع، وبين طبيب يدخل غرفة العمليات ليوقف النزيف وطبيب يأتي بصحبة المتهم والسكين لا يحتاج المريض إلى خبير يشرح الفرق!


