الباحث أحمد فؤاد لـ«الوطن»: الدبلوماسية الشعبية تستطيع أن تفتح بين السودان والمملكة أبوابًا لا تفتحها السياسة

بين السودان والمملكة العربية السعودية علاقة يصعب اختصارها في دفاتر السياسة؛ فقد سبقت حركة الناس قيام كثير من المؤسسات، وعبرت قوافل الحج والتجارة البحر الأحمر قبل أن تُرسم خرائط العلاقات الحديثة، واستقرت أسر سودانية في المملكة، فيما حملت قبائل عربية إلى السودان أسماءها وأنسابها وعاداتها وذاكرتها.
ومن هذا العمق تنشأ مساحة واسعة للدبلوماسية الشعبية؛ تلك التي يصنعها الناس عبر الثقافة والإعلام والتعليم والمجالس والروابط الاجتماعية والتاريخ المشترك، فتمنح العلاقات الرسمية سندًا اجتماعيًا يبقى أثره أبعد من المواقف العابرة.
في هذا الحوار مع «الوطن»، يتحدث الباحث والمهتم بالأنساب وتاريخ القبائل العربية في السودان أحمد فؤاد عن الدبلوماسية الشعبية بين السودان والمملكة، وما تستطيع الذاكرة المشتركة أن تقدمه للعلاقة بين البلدين، ودور الباحثين والإعلاميين والمثقفين في تحويل الموروث التاريخي إلى قوة تقرّب الشعبين.
خاص: الوطن
كيف تنظر إلى الدبلوماسية الشعبية بين السودان والمملكة؟
أراها واحدة من أقوى ركائز العلاقة بين البلدين؛ لأن لها رصيدًا سابقًا للعمل الرسمي نفسه. آلاف السودانيين عاشوا في المملكة ودرسوا وعملوا فيها، وأجيال من السعوديين عرفت السوداني طبيبًا ومعلمًا ومهندسًا وإعلاميًا وزميلًا وجارًا. وفي الجانب الآخر توجد روابط نسب وقبائل وحج وتجارة وهجرات قديمة صنعت معرفة متبادلة يصعب تصنيعها بقرار سياسي. هذه ثروة كبيرة تحتاج إلى تنظيم واستثمار معرفي وثقافي وإعلامي.
وما الذي تستطيع الدبلوماسية الشعبية تقديمه ولا تستطيع القنوات الرسمية وحدها تقديمه؟
السياسة تدير المصالح والاتفاقات، أما الدبلوماسية الشعبية فتبني المزاج الاجتماعي الذي يحمي تلك المصالح. اللقاء بين الباحثين، والمنتديات الثقافية، والجامعات، والإعلاميين، والكتاب، ورجال الأعمال، والشباب، والروابط المهنية والاجتماعية يخلق معرفة يومية بالآخر. وكل علاقة سياسية قوية تحتاج إلى قاعدة شعبية تعرف قيمتها وتدافع عنها وتحفظها من سوء الفهم.
أين يأتي ملف الأنساب في هذا السياق؟
الأنساب جزء من الذاكرة المشتركة، وليست غاية منفصلة عنها. خلال بحثي وجدت أسماء قبائل وأفخاذ وبيوتات في السودان تحمل امتدادات واضحة في الجزيرة العربية، ووجدت روايات عن الحجاز ونجد وسواكن وعيذاب وجدة، ومسارات عبرها الحجيج والتجار والعلماء. دراسة هذه الروابط تقدم للأجيال تفسيرًا اجتماعيًا لقرب البلدين، وتكشف أن البحر الأحمر ظل عبر قرون طريقًا للوصل أكثر من كونه حدًا للفصل.
هل يمكن للتاريخ الاجتماعي أن يتحول إلى أداة دبلوماسية حقيقية؟
بالتأكيد. الدول المتقدمة في علاقاتها الدولية تستثمر الثقافة واللغة والتراث والتعليم والفنون والذاكرة التاريخية ضمن قوتها الناعمة. وفي حالتنا السودانية السعودية لدينا مادة هائلة جاهزة للعمل: التاريخ المشترك، الحج، البحر الأحمر، القبائل، الهجرات، التجارة، التعليم، الأدب، الشعر، وتجارب آلاف السودانيين الذين أسهموا في قطاعات سعودية مختلفة. المطلوب أن تنتقل هذه المادة من الذاكرة الفردية إلى مشاريع ثقافية وإعلامية موثقة.
ماذا وجدت خلال لقاءاتك في المملكة؟
وجدت اهتمامًا كبيرًا بالسودان وتاريخه، ولاحظت أن الحديث عنه يُستقبل بكثير من الألفة. هناك سعوديون يعرفون أسماء قبائل سودانية ويسألون عن أصولها وصلاتها بالجزيرة العربية، كما توجد معرفة واسعة بما قدمه السودانيون خلال عقود عملهم في المملكة. وأكثر ما يلفت النظر ذلك الرصيد من الثقة الاجتماعية الذي بناه السودانيون عبر أجيال، وهو رصيد ثمين من أرصدة الدبلوماسية الشعبية.
وهل توجد صفات اجتماعية مشتركة تعزز هذا التقارب؟
توجد مساحات واسعة من التشابه؛ الاعتزاز بالنسب، وإكرام الضيف، وحفظ العهد، وتوقير الكبير، ومحبة الشعر، والمجالس، والفروسية، ومكانة الجار والعائلة. حتى مفردات الإبل والخيل والمطر والمرعى حاضرة في الذاكرة الشعرية للطرفين. وفي الدوبيت السوداني شيء من القرابة الروحية مع الشعر النبطي، سواء في موضوعاته أو صورته الاجتماعية. مثل هذه التفاصيل الصغيرة تمنح العلاقات عمقًا إنسانيًا كبيرًا.
ما الدور المطلوب من الإعلام في تعزيز هذه الدبلوماسية؟
للإعلام دور أساسي؛ لأنه قادر على تحويل العلاقات من أخبار بروتوكولية إلى معرفة حقيقية بالناس. نحن بحاجة إلى قصص عن السودانيين الذين أسهموا في المملكة، وعن السعوديين الذين ارتبطوا بالسودان، وعن التجارة والحج والتعليم والمشاريع الثقافية المشتركة. نحتاج أيضًا إلى خطاب إعلامي يحفظ العلاقة من المزايدات ويقدمها للأجيال الجديدة في صورتها الصحيحة. الخبر السياسي يعيش يومًا، أما القصة الإنسانية الجيدة فقد تعيش عقودًا.
وأين يقع الشباب من هذا المشروع؟
هم أصحاب النصيب الأكبر فيه. الجيل الجديد أقل ارتباطًا بالروايات الشفوية القديمة، ولذلك يجب تقديم هذا التاريخ إليه بأدوات عصره: الأفلام الوثائقية، والمنصات الرقمية، والبودكاست، والمعارض، والمحتوى المرئي، وبرامج التبادل الشبابي، والمشاريع البحثية المشتركة. إذا بقيت الذاكرة في صدور كبار السن فسوف نفقد جزءًا منها كل عام.
ما المبادرات التي تطمح إلى تنفيذها؟
أطمح إلى مشروع معرفي يجمع الباحثين من السودان والمملكة لتوثيق الصلات التاريخية والاجتماعية، وتسجيل شهادات كبار السن، وجمع المشجرات والوثائق، ودراسة طرق الهجرة والحج والتجارة عبر البحر الأحمر. وأتمنى كذلك تنظيم ملتقيات ثقافية ومعارض وندوات مشتركة، وإنتاج محتوى وثائقي يضع هذه المعرفة أمام الجمهور بعيدًا عن التعصب وقريبًا من المنهج العلمي.
وكيف ترى علاقة هذا المسار الشعبي بالعلاقة الرسمية بين البلدين؟
كل منهما يقوي الآخر. المملكة ظلت حاضرة في قضايا السودان، ودعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان للسودان وشعبه يعكس مكانة السودان في محيطه العربي والإسلامي. ومهمة المجتمع والإعلام والثقافة أن يبنوا تحت هذه العلاقة الرسمية أساسًا شعبيًا واسعًا يجعلها أكثر رسوخًا واستدامة.
ما رسالتك الأخيرة؟
أرى أن السودان والمملكة يملكان فرصة لبناء نموذج متقدم للدبلوماسية الشعبية في المنطقة. أمامنا بحر واحد، وذاكرة حج وتجارة وهجرة، وصلات أسر وقبائل، وتجارب إنسانية عمرها أجيال. هذه ليست حكايات للماضي وحده؛ إنها رأس مال للمستقبل. وما نحتاجه اليوم أن نحول المحبة المتوارثة إلى معرفة، والمعرفة إلى مشاريع، والمشاريع إلى جسور دائمة بين الشعبين. البحر الأحمر بيننا صفحة من التاريخ، وما كتبته الشعوب على تلك الصفحة يستحق أن تقرأه الأجيال القادمة وتحفظه.


