إنَّ سَعيَكُمْ لَشَتَّى ..!!

إنَّ سَعيَكُمْ لَشَتَّى ..!!
بقلم :لواء شرطة (م) :د . إدريس عبدالله ليمان
حَدَّثَنى أحَدْ أعلاَم الوريفة ورِجَالاتِها العُظماء فى جَلسَة مِنْ جَلسَاتِ المؤانسةِ والمسامرة المسائية مع إنقطاع التيَّار الكهربائى ونَحَنُ نَتنَاقشُ فى الهَمَّ العَام أنَّ سُكَّان المَدِينَةَ فى زمَانٍ سابق كانوا يَتَسابقونَ إلى النُزُلْ واللكوندات فى موسم الشَّوق الحِلو والأفراح كُلٌّ مِنهُم يَوَدُّ الإستِئثار بعدد مِنْ الأضيَافِ مِنْ العِرسانْ دونَ سَابِقِ مَعرِفة أو قَرَابة ويَتنَافسونَ فيمَا بَينِهمْ لِدَرجةِ التَقَاتُلُ للظَّفرِ ولو بِعَرِيسٍ واحد لإكرامِهِم ببرنامجٍ ترفيهى يستمر لأيَّام يبدأ بِزيارة توتيل وسيدى الحسن وينتهى بتجديد الحِنَّة والدُّخَانْ ( وحفلة دكاكينية ) الأمر الذَّى أسهَمَ فى خَلقِ روابطَ أُسريَّة ومُصَاهراتْ بين سُكَّان المدينة مَعْ بَقِيِّة مُدنَ السودان .. لَيسَ هذا فَحسبْ بَلْ أنَّ إنسان الوريفَة قَدَّم أُنموذَجَاً رائِعَاً لِلْتَكافُلِ والتَراحُمِ سَيَظَّلُ أعظم وأنبَل ما عَرفَتهُ المدينة مِنْ إيثار تَمَثَّلَ فى أخلاقِهِمْ الكَريمَة ومَواقِفَهم النَّبِيلَة مع جِيرانهم يوم أنْ لاذوا بهم هارِبينَ لاجئين مِنْ عَدُّوِهِم تَارِكِيِنَ مِنْ خَلفِهِمْ أهلِيهِمْ ودِيَارِهِم وأموالهم .. فَمَاذا دَهَاهُمْ ..!!؟ وما هذه الغِلظَة فى الطِّبَاع التى نرَاهَا فيهم ولَمْ تَكُنْ فى أسلافَهمْ الذَّين مَضَوا .. فَقَدْ كانوا مَثَلَاً فى مكَارِمِ الأخلاق ورِقَّة الفؤاد ورَهَافَة الشُعُور والرأفَةَ بالضُعفاءِ والتَّألم لهم والعَطفَ عليهم ومواساتهم ..!!؟ هَكذَا تَسَاءَل مُحَدِّثى مُستَنكِرَاً هذا الإستِغلال القَبِيح مِنْ بَعضِ أصحَابِ الضَّمَائِرِ المَيِّتَة لمُعَاناةِ إخوانهم مِنْ بَنِى جِلدَتِهم مِمَّنْ قَدِموا إليهم يَلتَمِسونَ عِندَهم الأمَانْ بعد أنْ أعمَلَتْ فيهم المليشيا نَهبَاً وتَقتِيلاً ..!! ألَمْ يَقرأ أولئك القوم وهُمْ يُغالونَ فى الإيجار سِيرَةَ الأنصار رَضِىَ اللهُ عَنهُمْ تِلَكَ الثُّلَّة المُباركة التى رَسَمَتٌ صورة فَذَّة للأُخوَّة الصادقة التى قَامَتْ على الإيمان ووقَفَتْ الإنسانية أمامها بالتَبجِيلِ والتّّعظيم .. وأولئك الكِرَام الذِّين هُم خَيرُ مَنْ واسَى بالنَّفسِ والمال على مَدَى التأريخ ..!!؟ وَصَدَقُ اللهُ العَظيم وهو يَصِفُ إختِلاَفَ النَّاس فى أخلاقهم وطبائِعهم ومنَازِلِهم وأعمَالهم وأوصافهم بقوله تعالى : ( إنَّ سَعيَكُمْ لَشَّتَى ) ففيهم الكريم وفيهم اللئيم ، وفيهم الشَّريف وفيهم الوضيع ، وفيهم الجواد وفيهم البخيل .. فهم كالمعادن فيها النفيس الغالى والردئ الرخيص .. وفيها أيضاً من لاقيمةَ له ..!! فيأيها الكسلاوى النبيل لَقَدْ قَدَّمتَ مِنْ قَبل وأعطَيتَ وما إستَبقيتَ شيئاً *فكيفْ تَضَيِّع أغلى مَا أَهديت يَا غالى ..!!
وحَفِظَ اللهُ بِلادّنا وأهلها مِنْ كُلِّ سوء .


