رأي

بعد الحرب .. من يستفيد من تجربة بربر ؟

بعد الحرب .. من يستفيد من تجربة بربر ؟

بقلم: د. محمد الشنيدي
محلية بربر تحاصرها الصحراء إحاطة السوار بالمعصم، ولا يعصمها من ذلك إلا نهر النيل العظيم، فهو شريان الحياة، وفي هذا السياق فقد أتيحت لنا فرصة أن نتأمل شكل محلية بربر من علي طائرة عمودية (هليكوبتر) في إطار عملنا الميداني بالتلفزيون .. فالصورة الجوية لمحلية بربر تبدو كما يلي: شريط عريض وطويل يمتد ويجري من الجنوب إلي الشمال هو نهر النيل، وعلي جنبتيه أو شاطئيه يوجد شريطان أخضران يمثلان المناطق الزراعية ويظهران كبساط غارق في الخضرة، قد يضيقان أو يتسعان، وبعدهما مباشرة شريطان أغبشان هما المناطق السكنية، ويعتبر اخر بيت في طرف أي قرية أو منطقة سكنية هو أول نقطة في بداية الصحراء الموغلة في الفراغ الكبير، والتي تمتد علي مد البصر، هكذا تبدو الصورة الجوية لمحلية بربر من الطائرة.

وبالرغم من هذا البيئة الجغرافية والتي تقع في قلب مناخ شبه الصحراء، إلا أن الإنسان وعبر تاريخ محلية بربر يقاوم هذا الحصار الصحراوي بطريقته وآلياته الخاصة. واحدة من هذه الآليات هو التعليم حيث ارتبط التعليم في هذه المناطق بالدعم الشعبي، فالمجتمع هو صاحب المبادرة في التعليم، وهو الظهير والسند لدور الحكومة في التعليم، وارتبط الوعي الجمعي والمجتمعي لإنسان بربر بأن رأس الرمح في التطور البشري لا يأتي إلا عن طريق العلم والمعرفة، ولعل هذا واحد من الأسباب التي جعلت انسان بربر يضع بصمات واضحة في تطور الدولة السودانية ومن مناطق مختلفة. وقبل التعليم النظامي فقد انتشرت الخلاوي لتعليم القران الكريم وعلومه، وانكب الناس علي دينهم، ينهلون منه ما يشاؤون، وقد انتشرت الخلاوي علي امتداد جغرافية وتاريخ محلية بربر، بل وارتبطت الخلاوي بأسماء مؤسسيها، وهي اسماء كثيرة أسهمت بقوة في التعليم الديني، بل وقدموا مع المجتمع دعما ماديا ومعنويا كبيرين. من جانب آخر فإن مدينة بربر فيها ظاهرة جديرة بالتأمل في هذا الحصار الصحراوي، وهي أن مدينة بربر استطاعت أن تؤلف بين قلوب أهلها وهم ينحدرون ليس من قبائل مختلفة فقط، ولكن من جنسيات مختلفة هي أكثر من خمس عشرة جنسية، وشكلوا توافقا اجتماعيا متماسكا، وعميقا، وإذا رأيتهم في مناسباتهم الاجتماعية لأدركت أن ما فشلت فيه مناطق كثيرة علي مستوي السودان لكي تجمع اهلها علي قلة قبائلهم، قد نجحت فيه بربر علي كثرة قبائلها وجنسياتها، وهنا يبرز سؤال جوهري وتاريخي أفرزته تداعيات الحرب، وهو، كيف يمكن أن يستفيد
السودان من تجربة محلية بربر في التعايش الاجتماعي والتماسك المجتمعي بعد الحرب؟؟ خاصة أن الحرب أخرجت كل سوءات القبلية والجهوية، والانتصار للقبيلة علي حساب الوطن .. أيضا من الآليات التي واجه فيها انسان محلية بربر حصار الصحراء أنه اقتحم الصحراء لينقب عن مكنوناتها ومخزونها تحت الرمال والصخور، ولعل اقتحام انسان بربر للصحراء المهولة، والموغلة في الاسرار والغموض، والمترامية الأطراف يذكرني بأشعار النابلسي حينما كتب وهو يقول:
غصن بان خلفه البدر بدا
أم غزال راح يغزو أسدا ..
يبدو من الحكمة ضرورة أن يستفيد السودان من تجربة بربر، فبالرغم من أن المدينة كانت مركزا حضريا قبل مئات السنين، الا انها احتفظت بميزات المدن والمدنية في بعدها المشرق والإيجابي، التحية لإنسان محلية بربر وهو ينظر ويمضي إلي المستقبل، ولا يلتفت إلي الوراء، بعد أن تم توظيف الانتماء الأعمي للقبيلة في حريق السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى