المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (48)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (48)
بقلم :السفير عبد الله الأزرق
لندن (11)
لا أذكر لندن إلّا وأذكر السفير محمد حسين زروق الذي كان نائباً للسفير هناك، وأفادني بمعلومات جَمَة. وأفادني كثيراً عن المجتمع السوداني بلندن؛ فجئتها وفي ذهني من هو المعارض ومن هو الموالي ومن هو المتعاون مع السفارة، بل من هو الجاسوس.
كان ذلك رجلاً أتحسّر على رحيله:
أي ركنٍ من المعارفِ هِيْضَا
وجمومٍ من المكارمِ غِيْضَا
بَلَّ اللَّهَ تُرْبَتَه بشآبيب الرحمة والغفران.
وكانت أول دعوة أقمتها ضممت إليها المعارضين، وأذكر بينهم المرحوم أحمد إبراهيم دِريج، والأستاذ أحمد بدري.
وأذكر أن دِريج قال: لي نحن معارضة.
فقلت له: أعرف؛ لكننا سنجد مساحة نتعاون فيها من أجل السودان.
ومن بين المعارضين الذين أقمت معهم علاقة طيبة دكتور منصور العجب.
ومن الشخصيات المحترمة التي لا أحسبُ أن لندن ستنساها هو المرحوم الخلوق السيد التاج علّام الذي كان مكتبه قريباً من أدچوير رود، ملاذ كل السودانيين، زوّاراً كانوا أو مقيمين.
وبلندن الفنان السوداني العالمي الصلحي، الذي عرض له معرض تيت Tate لوحاته.. وسُمّيَ على السير هنري تيت. والتيت من أشهر معارض الفن على نطاق العالم. ولا يعرض لوحات إلّا لمن ارتفع ذكره في عالم الفن.
وإن القلب لينفطر حين يذكر الطبيب الحاذق دكتور موفق الفحل، ذلك الخلوق المهذب الذي اختطفته يد المنون فجأةً.
وكانت لي علائق طيبة مع عمّنا مذيع BBC المعروف، محمد خير البدوي وأسرته، يزورونني وأزورهم.. ولبنته المذيعة الشهيرة زينت، حفيدة بابكر بدري، مقام توقير لدينا.
تخرجت زينب في جامعة أكسفورد، وحضرت الماجستير في جامعة لندن.
ورغم شهرتها وطول مقامها ببريطانيا إلا أنها لم تنسَ جذورها؛ وأكدت على ذلك بكتاب سيطبع العام القادم عنوانه: An African History of Africa.. وقبل ذلك أكدته بوثائقي متميز اسمه The History of Africa، بُثَّ في 2017 لقي رواجاً عالمياً.
وقد لمست حبها للسودان وأفريقيا من جلساتي معها.. فهي بالفعل امرأة نسيج وحدها في هذا الصدد.
وبلندن رجل مثال لود القبايل، أصالةً وظرفاً. يعارض الحكومة؛ ولكنه لم يتخل عن ما غرسته فيه تربية عَلَمٍ من أعلام السودان. ذلكم هو دكتور أبوبكر مندور، ابن العالم بروفسر مندور المهدي، وشقيق المرحوم دكتور محمد مندور. ولكم أكرمنا ذلك الرجل وزوجته، حفيدة شاعرنا محمد عمر البنا، في منزلهم. أسأل الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء.
كان السفير زروق شديد الوفاء لأصدقائه.
وأذكر أنه تصدى لأحد السفراء ادّعى في اجتماع بالخارجية أنه من اقترح مشروع الصندوق الخيري. وقال لي: إنه بعد انتهاء الاجتماع التقى ذلك السفير وقال له: إن هذا المشروع من بنات أفكار عبد الله الأزرق، وإنه كان ناقشني فيه، وهو من عرض المشروع في اجتماع لهذا الغرض مع وزير الخارجية علي عثمان، وإنه من طلب من السفير جعفر حسن صالح رئاسة صندوق التكافل لإعطاء المشروع قوته؛ لأن الأزرق وقتها كان مستشاراً.
هكذا كان زروق يدافع عن صداقاته.
وحقيقة لم أعجب لادعاء ذلك السفير، بعد نجاح المشروع، ذلك أن الحكمة تقول:
“للنجاح آباء عدة، ويظل الفشل يتيماً ”
“success has many fathers, but failure is an orphan”
وممّا سرني فعلاً هو أن السفير عبد المحمود عبد الحليم أفادني أنهم حين ذهبوا لجوبا في لجنة تشاور سياسي، قال لهم رصفاؤهم في خارجية جنوب السودان: إنهم نقلوا تجربة صندوق التكافل السودانية وطبقوها في الخارجية الجنوبية.
وكنت بالفعل أول وصولي لندن آمل أن أجد فضاءً وطنياً للتعاون مع المعارضة، وخاصة من ظننتهم عقلاء كبارا، وليس بالطبع مراهقي السياسة الذين إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا لم ينفعوا.
كان ذلك تفكيري الرغائبي.
لكن أبدت لي الأيام ما كنت جاهلاً، وأتاني الواقع المعاش بما دمّر ذلك التفكير الرغائبي، فأصبح هَباءً ذرته الرياح.
وللحقيقة، فإن ثَمّة تجارب عالمية كانت تغذي تفكيري، بل أملي، ذاك. مثل تجربة المعارضة الباكستانية.
فقد اتفق السياسيون الباكستانيون على ثوابت وطنية لا تجري حولها أية مساومات.
اتفقوا على أن البرنامج النووي الباكستاني ثابت وطني سري لا مساومة حوله، ولا مجال لاختراق سريته، سواء كانوا في حكم أو معارضة.
وظلوا جميعهم يقيمون الحصون على ذلك البرنامج، وما استطاع أحد من أصدقائهم أو أعدائهم أن يهْتِكَ ستره.
وظلوا يحيطون عالمهم النووي عبد القدير خان وفريقه النووي بالحماية والرعاية، حتى فاجأوا العالم بتفجير قنبلتهم الذرية.
وفي بريطانيا يحيط رئيس الوزراء زعيم المعارضة بالأسرار الكبرى، خاصة في زمن الأزمات. ولكن الاستثناء الوحيد في بريطانيا كان جيرمي كوربن Jeremy Corbyn ، الذي تكأكأ عليه (الملأ)
اكتسب زعيم المعارضة البريطاني النائب جيرمي كوربن Jeremy Corbyn شهرة واسعة وشعبية جارفة في بريطانيا، واختاره حزب العمال رئيساً له.
كان كوربن ينادي بسياسة خارجية سلمية محترمة شريفة وأخلاقية Decent , Peaceful and Ethical Foreign Policy.. وأخذ يدافع عن حقوق الفلسطينيين؛ ووقف ضد سباق التسلح.
ودعا إلى فرض ضرائب أعلى على الأثرياء؛ وأن تصبح المرافق العامة مثل الكهرباء والسكة حديد والمياه وهيئة الصحة العامة ملكاً عاماً.. وقال بإلغاء الرسوم الدراسية ومنع الاحتكارات والفساد؛ وإعادة توزيع السلطة والثروة والعدالة.
وزادت شعبية كوربن؛ وقالت الجماهير هذا ما نريده.
لكن الطبقة المتنفذة شعرت بالخطر، فما نادى به يهد أركان نفوذها.. وليس مهماً عندها أن الرجل منتخب ورئيس حزب أو أن الجماهير أحبت أفكاره.
شنت الطبقة المتنفذة (الملأ) حملة ضارية ضد كوربن؛ فاتهمته بالشيوعية، وبمعاداة السامية؛ لأنها خافت جداً من أن يصبح رئيساً للوزراء.
وصرّح جنرال – لم تسمّه أجهزة الإعلام – “أن الجيش يمكن أن يتمرد” The Army Could Stage Mutiny Under Corbin .
ونشرت أجهزة الإعلام صورة لجنود يطلقون النار على صورة لكورين.
وقال ضباط كبار بالجيش: إنهم لن يدعوا كوربن يتولى رئاسة الوزارة.
هكذا تماماً مثل ما يحدث في عالمنا الثالث.
وسرّب جهاز الأمن معلومات سرية ليتهموه بتسريبها؛ ومن ثم يتهمونه أنه خطر على الأمن القومي لبريطانيا.
ووصل الأمر درجة تهديده بالقتل؛ ولم تقم السلطة الحاكمة بأي إجراءات قانونية ضد من هدده.
كان ما قام به المتنفذون ضد كوربن مناقضاً تماماً لأسس الديمقراطية في بلد يدعي أنه رائدها؛ وكان فاضحاً لحقيقة أن الديمقراطية هناك إنما هي تمثيلية ومظهر خداع Facade، وأن الحكام الحقيقين ليس الشعب الذي ينتخب وإنما فئة متنفذه تقف وراء الكواليس.
وهذا ما عليه الأمر في كل البلاد الغربية التي تزعم أنها ديمقراطية.
لكن هل يعرف من ينصبون أنفسهم دعاة للديمقراطية في بلادنا هذه الحقائق؟؟


