البلبوسي والقحاتي في مربع التصنيف خارج الوطن

لا يختلف اثنان على أن الشرخ الذي أصاب الخارطة الإجتماعية والسياسية السودانية ، بفعل الصراع حول السلطة ، فلم يعد هذا الخلاف أمر حول الرؤى والمواقف ، ولكنه تحول إلى حالة من الإستقطاب الحاد أعادت تشكيل علاقاتنا ببعضنا ، وألقت بظلالها على نظرتنا لبعضنا البعض ، حتى غدا السوداني في نظر أخيه محكوماً عليه بتصنيف مسبق ، إما (بلبوسي) ، أو (قحاتي) ، وكأن تاريخ الإنسان ومواقفه وكفاءته وإنتماءه الوطني يمكن إختزالها جميعاً في خانة سياسية ضيقة جداً ، لا تتسع لتعقيد التجربة الإنسانية ولا لحق الاختلاف .
ولعل ما أفرزته الإنتخابات النصفية الأمريكية ، التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 ، يقدم لنا مرآة صادقة تستحق الوقوف عندها ، وكما تعطينا في الوقت نفسه دروساً جديرة بالإستلهام ، فقد شهدت هذه الإنتخابات صعوداً لافتاً لسياسيين من أصول أفريقية ، تنحدر جذورهم من نيجيريا ، ومصر ، وإثيوبيا ، وغانا ، وليبيريا ، والصومال ، إلى مواقع تشريعية وتنفيذية متعددة ، على المستويين الاتحادي والولائي في الولايات المتحدة ، فقد سجل المسلمون حضوراً لافتاً في الكونغرس بمجلسيه الشيوخ والنواب ، بفوز سبعة أعضاء ، بينهم عضو واحد في مجلس الشيوخ ، وستة أعضاء في مجلس النواب .
بينما تكشف الصورة الأخرى عن غياب حضور سوداني مماثل في مختلف مستويات الحكم الامريكي ، رغم وجود كفاءات وتجارب سياسية واعدة ، ومن بين هذه التجارب ، كانت تجربة السيدة مزاهر صالح ، التي فازت بعضوية مجلس مدينة آيوا سيتي بولاية آيوا عام 2017 ، وكذلك تجربة السيد محمد سيف الدين ، الذي دخل التاريخ عام 2018 بوصفه أول سوداني أمريكي يفوز بعضوية مجلس مدينة الإسكندرية بولاية فرجينيا ، قبل أن يخوض لاحقاً في 2026 تجربة الترشح للكونغرس ، ولكنه لم ينجح في بلوغ الإنتخابات العامة .
فلماذا لم يتمكن هذا الرجل من بلوغ تلك المرحلة ، رغم ما يمتلكه من خبرة وتجربة ومقومات تؤهله للمنافسة ؟ ، ولعل الإجابة لا تكمن في شخص الرجل وحده ، بقدر ما تكشف عن واقع الصف السوداني المأزوم ، والمتآكل بفعل إنقساماته وخصوماته الداخلية ، فنحن لم نعد نحسن مساندة بعضنا البعض بعيداً عن إستدعاء معارك الداخل ، وبدلاً من أن نلتف حول مرشح سوداني كان سيمثل فرصة جيدة لحضور اسم السودان في فضاء سياسي أوسع ، ولكننا إنشغلنا بتصنيفه وتحديد موقعه من معسكراتنا ، أهو (بلبوسي) أم (قحاتي) ؟ ، وبهكذا صورة إنتقلت خصوماتنا معنا إلى خارج الحدود ، وأصبح الإنتماء إلى أحد المعسكرات يسبق النظر إلى قيمة التجربة وما يمكن أن تمثله للسودانيين جميعاً .
لقد حملنا خلافاتنا معنا ، وعبرنا بها الحدود ، حتى أصبحت إنقساماتنا تسبق أسماءنا ، وتكشف عيوبنا أمام الآخرين ، فلم نكتف بتصدير خصوماتنا فقط ، ولكننا أصبحنا نمارسها فيما بيننا ، لأننا شعب لا نحسن الاجتماع إلا على الفرقة ، ولا نتقن التعامل إلا بمنطق التخوين ، ولعل أزمتنا الأعمق أننا كثيراً ما ننجذب إلى الممنوع ، ونتعامل مع المنع بإعتباره دعوة إلى المخالفة ، حتى إنك لو وضعت لافتة كُتب عليها (ممنوع التبول هنا) ، فسيفهم البعض أنها إشارة إلى أن هذا الموقع هو المكان المخصص للتبول ، فهذا الأمر ليس تناقض ساخر ، ولكنه صورة توضح علاقتنا الملتبسة بالقواعد والإختلاف ، وتعبر عن مدى عجزنا في إحترام ما يفترض أن ينظم حياتنا المشتركة .
إن المأساة الحقيقية ليست في إختلافنا ، فالاختلاف سُنة المجتمعات الحية ، وشرط من شروط تنوعها وحيويتها ، ولكن تكمن المأساة في عجزنا عن إدارة هذا الاختلاف ، إذ نحيله في كل مرة إلى قطيعة وعداء ، ونحول التباين في المواقف إلى خصومة تُفضي إلى إقصاء الآخر وإنكار حقه في الاختلاف .
لن تقوم للسودان قائمة بإنتصار تيار على آخر ، ولا بإقصاء نصف المجتمع لحساب نصفه الآخر ، فطريق التعافي يبدأ بإستعادة فكرة الوطن الجامع ، حيث نؤمن بحق الاختلاف ، ونتسع لتباين المواقف ، ونختلف دون أن نتنازل عن حقنا في الانتماء إلى وطن واحد ، ومن المفترض ألا نسمح لخلافاتنا السياسية بأن تنتزع منا هويتنا الوطنية المشتركة .
فإذا عجزنا عن الإلتقاء حول مصلحة فرد سوداني واحد خارج حدود الوطن ، فكيف نأمل أن نلتقي حول طاولة حوار (سوداني ـ سوداني) ، ونحن لم نعد نرى في بعضنا سوى إنتماءات المعسكرات ، ولا نقرأ مواقف بعضنا إلا من خلال عدسة الأيديولوجيا ، حتى أصبح الانتماء السياسي مقدماً على الإنتماء للوطن ، وصارت خلافاتنا أقوى من قواسمنا المشتركة .
نسال الله ان يصلح حالنا جميعاً
elbagirabdelgauom@gmail.com


