أحمد هارون .. وسد الفرقات

(١)
شاهدت بالأمس حواراً للشاب الإعلامي الفذ ربعي سراج، وهو شاب استطاع أن يتجاوز كثيراً من أقرانه، وأن يضع نفسه في مساحة الكبار مبكراً ، وله في ذلك التهنئة والتقدير، فالإعلام لا يكبر بأعمار ممارسيه، وإنما بجرأتهم ومهنيتهم وقدرتهم على طرح الأسئلة التي تستحق أن تُطرح .
(٢)
أحمد هارون ليس رجلاً عادياً في تاريخ السياسة السودانية المعاصرة، وليس شخصية يمكن المرور عليها دون توقف .. فالرجل محاط باختلافات سياسية وأخلاقية وقانونية عميقة، بسبب انتمائه إلى حزب ارتبط بحكم ارتكب انتهاكات جسيمة بحق السودانيين، وبسبب ارتباط اسمه بملف دارفور، حيث يواجه اتهامات خطيرة، وهو مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية.
وهذه حقائق لا يمكن القفز فوقها، ولا ينبغي أن يحجب أي حديث عن قدراته السياسية أو الإدارية دون مسؤولية الإجابة عن تلك الملفات.
(٣)
ظل أحمد هارون لسنوات بعيداً عن المشهد، وتداولت الأوساط السياسية والإعلامية أخبار وجوده ومواقفه وتصريحاته، خصوصاً بعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل . . لكن ثمة سؤالاً لا يزال يستحق إجابة واضحة ، ما الملابسات القانونية التي أحاطت بالقضايا التي يوجهها ؟ وهل جرى اتخاذ أي إجراءات قانونية بحقه بعد استقرار الأوضاع ؟ أسئلة لا ينبغي أن تبقى معلقة في فضاء الشائعات والتكهنات.
(٤)
أحمد هارون، بصرف النظر عن الموقف من تجربته السياسية، يمتلك شخصية سياسية لافتة، وقدرة على إدارة الملفات، وخطاباً سياسياً يتسم بالتماسك، فضلاً عن حضور تنظيمي وقدرة على قراءة موازين القوى. وهي صفات لا يمكن إنكارها لمجرد الاختلاف معه.
بل أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقول إن السودان اليوم يحتاج إلى شخصيات تمتلك قدراً من الحسم والقوة والقدرة على اتخاذ القرار، وهي صفات نجدها في تجربة أحمد هارون السياسية.
وأنا هنا لا أتحدث عن أفكاره، ولا أدعو إلى استنساخ تجربته، ولا إلى إعادة إنتاج مرحلة سياسية دفع السودان ثمناً باهظاً لها، وإنما أتحدث عن قوة الشخصية، والقدرة على إدارة الدولة، والوعي بتعقيدات العمل السياسي.
فالبلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها السياسية هزالاً واضطراباً. مشهد مزدحم بالأسماء، فقير بالأفكار، مليء بالتصريحات، شحيح بالبرامج والرؤى.
أين السياسيون الذين يملكون مشروعاً وطنياً واضحاً؟ أين الخطط الاقتصادية؟ أين الرؤى المتعلقة بإعادة بناء مؤسسات الدولة؟ وأين الذين يستطيعون مخاطبة المواطن السوداني ببرنامج يتجاوز صراعات السلطة ومكاسبها الضيقة؟
لقد انشغل كثيرون بمربعات التعدين، وتقاسم النفوذ، والبحث عن نصيب في كعكة السلطة، بينما المواطن السوداني يتلفت يميناً ويساراً، فلا يجد مشروعاً وطنياً يطمئنه، ولا قيادة سياسية تشرح له إلى أين تتجه البلاد.
(٥)
المشكلة ليست في ندرة السياسيين فقط، وإنما في ندرة رجال الدولة ، والفرق كبير بين من يجيد المناورة السياسية، ومن يمتلك القدرة على بناء دولة، وبين من يبحث عن موقع في السلطة، ومن يحمل مشروعاً لإخراج وطن من أزمته.
قد نختلف مع أحمد هارون إلى أبعد مدى، وقد نرى أن الملفات القانونية والسياسية المرتبطة باسمه لا تسمح بتجاوزها أو التعامل معها بخفة، لكن ذلك لا يمنعنا من قراءة التجربة السياسية بموضوعية، والاعتراف بما فيها من جوانب قوة، دون تبرير ما يحيط بها من اتهامات ومسؤوليات.
السودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من الماضي، ولا إلى استعادة تجارب أثقلت كاهله بالحروب والانقسامات، لكنه يحتاج إلى رجال يمتلكون الحسم، والرؤية، والقدرة على إدارة الدولة.
علاء يوسف


