المحكمة الدستورية وهياكل الحكم الإنتقالي..ورد المظالم…

تم تأسيس أول محكمة دستورية في السودان بموجب قانون جمهورية السودان لسنة (1998م) حيث أنشئت كهيئة قضائية مستقلة منفصلة تماماً عن السلطة القضائية المعروفة ذلك قبل أن يتم تطويرها وتحديد إختصاصاتها وتنظيمها لاحقاً بموجب دستور السودان الإنتقالي لسنة (2005م) وقانون المحكمة الدستورية لنفس العام..
معلوم أنه لم تكن هناك محمكة دستورية مستقلة قبل العام (1998م) فقد كانت الرقابة علي الدستور والقوانين تتولاه دائرة مختصة داخل المحكمة العليا التي تضم كبار القضاه من أصحاب الخبرات والتجارب..
لعل وجود المحكمة الدستورية يظل من الأهمية بمكان وأن غيابها أو تغييبها خلال السنوات الماضية قد أحدث كثيراً من المشاكل والتجاوزات وذلك تمثل أعلي سلطة قانونية لمراقبة وحماية الدستور وضبط القوانين وحماية حقوق المواطن وتأكيد سيادة حكم القانون والمحافظة علي هيبة الدولة بتحقيق العدالة وتسريع إجراءات الأحكام القضائية وتنفيذها بالتنسيق مع جهات الإختصاص وقد شهدت غياباً تجاوز الست سنوات منذ التغيير الذي حدث في البلاد في العام (2019م) مما خلق فراغاً كبيراً في مراقبة تطبيق القانون علي أجهزة الدولة وضبط نشاطها التنفيذي وضبط نشاط القوي السياسية وفق القانون المنظم لذلك..
لم تكن المحكمة الدستورية هي الغائبة الوحيدة من أجهزة الحكم الإنتقالي التي نص عليها الدستور والوثيقة الدستورية المعدلة التي يفترض أنها حاكمة الآن بل هناك عدد من الهيئات التي يحتاجها الحكم لتؤدي القيادة التنفيذية دورها علي الوجه الأكمل فهناك المجلس التشريعي الإنتقالي والذي فضلاً عن مهامه في سن التشريعات والقوانين فهو أيضاً يمثل السلطة الرقابية التي تحاسب الجهاز التنفيذي للحكومة فقد تم إستبداله خلال السنوات الماضية بالإجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء لسن القوانين واجازتها ولكن يصعب علي الإجتماع المشترك أن يقوم مقام المجلس التشريعي بمحاسب عضويته أو بمراقبة أدائها كما يجب مما خلق الكثير من الثغرات وظهر تقصير الجهاز التنفيذي في عدد من مجالات نشاطه ومهامه…
هناك أيضا مجلس القضاء العالي ومجلس العدل وكلها تعتبر هيئات ضرورية وهامة فغير كونها منصوص عليها في الوثيقة الدستورية فقد شكل غيابها فراغاً كبيرا وأثر تأثيرا واضحاً علي أداء الأجهزة بل وعطل كثير من القرارات التي كان يجب اتخاذها وتنفيذها فيما يخص الجهاز التنفيذي…
مناسبة حديث اليوم هو إكتمال تعيين أعضاء المحكمة الدستورية وآداء أعضائها القسم أمام رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إيذاناً بإستئناف مهامها والقيام بدورها الرقابي وحماية الدستور وحقوق المواطن..
فقد تم تعيين مولانا القاضي الدكتور وهبي محمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية قبل أكثر من عام ولم يستطع بالطبع ممارسة نشاط المحكمة كما يجب إلا بعد إكتمال عضويتها وآدائهم القسم وقد تأخر هذا الإجراء كثيراً مما أثر علي الأداء العام في الدولة..
إن إستئناف عمل المحكمة الدستورية بعد آداء القسم يعتبر نقطة تحول حقيقية فالكثير من القضايا التي نظرت فيها المحاكم من التي يحتاج تنفيذ الحكم فيها إلي موافقة المحكمة الدستورية ومتوقف عليىتوقيع رئيسها ظلت معطلة خاصة في قضايا تعتبر مثار خلاف بين أجهزة الدولة وتتطلب رأي المحكمة الدستورية
بالإضافة إلي قضايا السودان الخاصة بالحقوق والواجبات ولجان التحقيق الدولية التي نشطت كثيراً خلال فترة الحرب والإتهامات التي تم توجيهها للقضاء الوطني السوداني بالتقصير وبين أيديها الآن قرار مجلس حقوق الإنسان الأخير الخاص بالتمديد لمدة عام آخر للجنة الخبراء الدولية لتقصي الحقائق ومراقبة حقوق الإنسان في السودان فكلها كانت بحاجة لوجود المحكمة الدستورية والتي تمثل حائط صد لكل مايمس مراقبة القوانين وتنفيذها داخل السودان…
فإن إكتملت الآن عضوية المحكمة الدستورية كأحد أهم مؤسسات الحكم فلا بد من الإسراع بإكمال بقية الهيئات الأخري بما في ذلك مجالس إدارات الجامعات التي هي الأخري ظلت غائبة لما يقارب الست أعوام مما زاد من عبء ومسؤولية مديري الجامعات في ظل الظروف التي تعيشها البلاد خاصة بعد اندلاع هذه الحرب منذ أبريل (2023م) ومعلوم أن مجالس إدارات الجامعات تعتبر هي السلطة التشريعية والرقابية لمديري الجامعات بل هي المخدم المباشر للعاملين بالجامعات فالمأمول أن يسرع مجلس السيادة في تعيين هذه المجالس حتي تستطيع مؤسسات الدولة ان تقوم بدورها تحت ظل سيادة حكم القانون والمحافظة علي هيبة الدولة…
فقد شهدت الفترة الانتقالية في سنواتها الثلاث الأولي تجاوزات قانونية كبيرة بدأها الهالك حميدتي عندما كان نفوذه كبيراً في إدارة الدولة حيث شهدت تلك الفترة تصفية هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات العامة وفقد أكثر من (13) ألف من خيرة الضباط وضباط الصف والذين تلقوا تدريباً عالياً داخل وخارج البلاد وبمال الشعب السوداني فقدوا وظائفهم دون مبرر بحجة واهية في ذلك الوقت وهي تمردهم علي الدولة تلك الفرية التي لم يستوعبها صاحب عقل تماما مثل فرية محاولة إغتيال رئيس الوزراء السابق دكتور عبدالله حمدوك علي جسر القوات المسلحة والتي إنتهت دون أن يعرف عنها المواطن شيئاً ودون أن تتم محاكمة من دبرها او شارك في تنفيذها حتي غادر رئيس الوزراء منصبه وكلاها اتهامات باطل أريد بهما تحقيق أهداف كانت معلومة…وللمفارقة أن الهالك حميدتي بدأ في استيعاب الكثيرين ممن فصلهم ضمن قوات الدعم السريع المتمردة وسط سمع ومرأي قيادة الجيش…كما شهدت نفس الفترة إحالة الآلاف من ضباط القوات المسلحة وضباط الشرطة الي المعاش رغم عدم بلوغ معظمهم سن المعاش بل هم في سن الشباب وعلي درجة عالية من التأهيل والتدريب وكان يمكن للبلاد أن تستفيد منهم ومازالت الفرصة متاحة اذا ساد حكم القانون وحافظت الدولة علي هيبتها وردت الحقوق


