رأي

الوعي الكمي

بقلم : اللواء (م) مازن محمد إسماعيل

كمدخلٍ مساعدٍ للعنوان أعلاه نعيد إلقاء الضوء بشكلٍ مُختصَر لما سبق تناوله في بعض المقالات ، فالتراكب الكمِّي Quantum Superpositioning يعني الحالة الموجية للجسيمات بحيث أن كل الجسيمات تكون موجودةً في كل الاماكن ، وفي كل الاماكن المحتملة في نفس الوقت ، وظاهرة تأثير الملاحظ Observer Effect هي أنه عند البدء في مراقبة أو ملاحظة الجسيم .. فوراً يحدث ما يُسمى بانهيار الدالة الموجية Wave Function Collapse لهذا الجسيم ويختار الظهور في مكانٍ واحد ، فيما أن خاصية التشابك الكمِّي للجسيمات Quantum Entanglement ، تعني أن الجسيمات المترابطة كمِّيَّاً تكون متصلةً ببعضها حتى ولو كانت المسافات بينها بامتداد الكون ، ولا يمكن وصف الحالة الكمِّية لأحدها دون الآخر ، وتنتقل المعلومات بين الجسيمين بسرعة اللا زمن .. وقد ثبت مؤخراً بأن فيزياء الكم التي تضبط جسيمات الكون هي نفسها التي تضبط عمل الدماغ البشري ، وعبرها نختطف لمحةً من الوعي البشري والذي ألقى بسؤالٍ فحلٍ عن إمكانية وعي الكون وذلك لعلماءٍ حاذقون في في علوم الطبيعة ولكنه لا يعلمون أنَّ ما من شئٍ إلا يسبِّح بحمده ، وأن السماوات والأرض سبق أن قالتا أتينا طائعين ، وأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

في العام ٢٠٢٠م نشرت مجلة حدود الفيزياء Frontiers of Physics ورقةً علميةً مشتركةً لدكتور المخ والأعصاب Alberto Feletti وعالم الفيزياء الكونية Franco Vassa ، وقد توصّلت الدراسة إلى التشابه المذهل بين الكون والمخ البشري عند مقارنة شكل وتوزيع المادة في النسيج الكوني The Cosmic Web الممتدة لأكثر من خمسمائة مليون سنة ضوئية ، وتضم أكثر من مائة مليار عنقود مجري .. بشبكة الترابطات العصبية لدماغ الإنسان والتي يبلغ الطول الكلي لمساراتها العصبية في الإنسان البالغ نحو ٥.٨ مليون كيلومتر (تعادل محيط الكرة الأرضية عند خط الأستواء نحو ١٤٥ مرة) ، وتضم أكثر من مائة مليار خلية عصبية.

الشبكة الكونية تحتشد بمزيجٍ شفافٍ من الطاقة المظلمة تمثل حوالي ٦٨% ، وكذلك هي شبكة الدماغ التي يكون الماء حوالي ٧٠% منها ، وبينما تنتقل المعلومات في الشبكة الكونية بسرعة الضوء (٣٠٠ ألف كلم/ثانية) ، فإنها تُعتبر بطيئة جداً بالنسبة لسرعة انتقال المعلومات داخل الدماغ التي تبلغ ١٠٠ متر/ثانية ، بما يعني أن المعلومات تصل بشكل فوري Instantanious عند مقارنة المسافات الكونية بالمسافات داخل الدماغ ، وهو ما يعني بأن المعلومات تنتقل داخل الدماع بأعلى من سرعة الضوء ، وهذا ما قد يجعل الدماغ البشري أذكى من الكون.

تم عمل مُحاكاة باسم مشروع المخ الأزرق The Blue Brain Project شملت جزءاً من المخ هو القشرة المُخيَّة الحديثة Neocortex ، وكم كانت الدهشة كبيرة حين رأى العلماء بأن الدماغ عندما يجري تحفيزه بفكرةٍ ما يقوم ببناء شبكاتٍ مُعقدة من اللا شئ داخل المخ ، وتتلاشى هذه الشبكة بانتهاء الفكرة!! ، وتمت دراسة الاشكال الناتجة عن شبكة المخ هذه برياضيات خاصة هي علم الجبر البِنيوي أو المطاطي Algebraic Topology ، وهي ذات الرياضيات التي استُخدِمت في نظرية الاوتار الفائقةً ، فاتضح أن هذه الشبكة الناشئة داخل الدماغ من اللا شئ تبدء بِبُعدٍ واحدٍ كطول أو عرض ، ثم تتطوَّر إلى طول وعرض ، ثم إلى طول وعرض وارتفاع ، وهكذا حتى تصل إلى أحد عشر بُعداً ، وهذا متطابقٌ تماماً مع ما تفترضه نظرية الأوتار الفائقة للكون ، وفي هذا ومضةٌ لأهمية استدامة التفكُّر والتدبُّر للعقل البشري والذي حثَّت عليه مجمل آي القرآن الكريم لمدى تأثير ذلك على الوعي البشري.

في العام ١٩٨٩م ذكر روجر بنروز Roger Penrose (مُكتشف الثقوب السوداء والحاصل على جائزة نوبل) في كتابه عقل الإمبراطور الجديد The Emperor’s New Mind بأن الدماغ يتعامل بالفيزياء الكمية ، وهي تؤدي إلى انهيار دالة الموجة Wave function collapse والتي يُحدِثها تأثير المُراقب The Observer Effect ، وهو ما يسمح للكون نفسه بالوجود ، وفي ذلك يقول عالم الفلك الراحل كارل ساغان Carl Sagan: الكون بداخلنا ، نحن مصنوعون من غبار النجوم ، ونحن الوسيلة التي يعرف بها الكون نفسه … والحقيقة أن كِلا العالمين الكبيرين لا يُنكران وجود الرقيب على خلقه سبحانه وتعالى وحده ، بل يتغافلان عمَّا إذا كان الكون ذاته له وعيه الخاص ، ومراقبته الخاصة لمكوناته ، ولا يفوتنا أن عمر الكون يفوق عمر البشر بمليارات السنين الضوئية .. فمن الذي كان يراقبه حتى لا تنهار دالته الموجية آنذاك؟!.

في جامعة نيويورك قام الدكتور سام بارنيا Dr. Sam Parnia مدير أبحاث الرعاية الحرجة والإنعاش في كلية طب لانغون مع فريقه بدراسة أشخاصٍ (٢٠٠١م-٢٠١٥م) عانوا من سكتةٍ قلبيةٍ وماتوا من الناحية النظرية والإكلينيكية ، ويُعرَّف الموت بأنه اللحظة التي يتوقف فيها القلب عن النبض، وبالتالي يتوقف تدفق الدم للدماغ ، مما يعني توقف وظيفة الدماغ ، ولكن هؤلاء الموتى موضوع الدراسة تم إنعاشهم لاحقا ، وتبيَّن للفريق بأن بعض الحالات كانوا على وعيٍ كاملٍ بالحوار بين الأطباء حولهم ، وكانوا يرون الأشياء حتى بعد أن تم الإعلان عن موتهم … بل إن بصرهم كان إذ ذاك حديد.

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ، وإشارة القرآن للوعي جاءت لفظاً في قوله تعالى {لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةࣰ وَتَعِیَهَاۤ أُذُنࣱ وَ ٰ⁠عِیَةࣱ} ، وجاءت ضمناً في عشرات الآيات الأخرى كقوله تعالى {كَذَ ٰ⁠لِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} ، والحقيقة أن الوعي البشري لايزال عصيَّاً على الفهم والإدراك ناهيك عن الإحاطة به ، ولاتزيدنا هذه الدراسات وغيرها به إلا مزيداً من الرَّهبة والغموض والشغف لمعرفة كُنْه الوعي البشري والقيام بحقه ، والوعي بكل عظمته لا يستقيم إلا بخضوعٍ وخشيةٍ لواهب الوعي ، ويقينٍ ثابتٍ بأنه سبحانه مالك الملك الذي بيده الخير ، وأنه عزَّ وجلَّ لا يعزُبُ عنه مثقال ذرَّه ، وأنه تعالى في حِكمته فما يُنِزِل شيئاً إلا بقَدَرٍ وحساب ، وأنه سبحانه ما خلق كل ذلك باطلاً ولا عَبَثَاً ، وإن الإنسان ليتصاغر إلى درجة التلاشي .. امتناناً وشكراً لن يفي هول العطاء الربَّانيِّ غير المحدود على عباده ، وإن الحسرة لتتفاقم في استشعار هدر نعمة الوعي التي ما بلغنا معشار حقها ، وإن الخشية لتبلُغ منتهاها في تذكُّر أننا مسئولون عن هذا الفضل من الوعي بحجم ما آتانا الله منه … ونعجبُ ممن يعمَدُ إلى فيض العطاء الإلهي الهائل هذا .. فيختزله في نفسه إلى بوقٍ وطبلٍ ، فيغدو كائناً حنجوريَّاً ببغائياً ابتغاء زَبَدٍ من حِلْيةٍ أو متاعٍ .. فيستَحِقُّ بذلك لنفسه المثوى الذي جعله الله مُستَقَرَّاً لنفايات الحياة الدنيا من الذين آتاهم الله آياته فانسلخوا منها غاوين ومُغْوِين.

قبل ستةٍ وثلاثين عاماً ، وأثناء أدائنا لمُعاينات الكلية الحربية .. توقَّفت كثيراً أمام إحدى اللافتات التوعوية التي تنشُرها الإستخبارات العسكرية في الوحدات والتي تقول: (لا تُصدِّق كلما تسمعه ، ولا نصف ما تراه) ، فالسَّمع والبصر قد ينطلي عليهما الخداع البصري أو التضليل السمْعي ، بل إن العقل نفسه غالباً ما يقع ضحيَّة أفكاره وتحيُّزاته ورغباته ، ثم ما برِح الزمان حتى تطوَّر المونتاج ، وابْتُكِرَ الفوتوشوب .. فعلمنا يقيناً أن كلما نراه قد لا يحمل من الحقيقة شيئاً ، وما انفكت الأيام حتى بلغنا مرحلة الذكاء الاصطناعي والاستنساخ الصوتي والبصري والبشري … ثمَّ ركَّبَ الإنسان في قناة الإعلامِ سِناناً ، وأيُّ سِنان .. فأصبحت أشدَّ أنواع الحروب فتكاً من حيث قُدرتها على استلاب الألباب ، وإمكانية طمسها وتلاعبها وتخليقها لأفكار ورغبات وتحيُّزات النفوس والعقول ، فغدت جوارح الإنسان من سمعٍ وبصرٍ وفؤادٍ .. عاجزةً عن تغذية الوعي بمُمْسكات الحقيقةِ التي بات تحصيلها غايةً عزيزة المنال ، ويستحيل بلوغها دون هدىً من الله وتوفيقٍ منه سبحانه وتعالى … ومن بعض كل هذا تنبُع خشية العلماء الذين يوقنون بأن العقل والوعي الإنساني وحده -بكل عظمته الهائلة والغامضة- لَيقفُ متواضعاً حسيراً كليلاً أمام إدراك الحقيقة المحضة (ناهيك عن إدراك الحقيقة المطلقة) والتي هي أغلى وأثمن ما يمكن الوصول إليه في هذه الحياة ، ولا يكون ذلك أبداً إلا بمَدَدٍ من الله لهذه الجوارح والجوانح ، وتوفيقٍ منه (سبحانه) ببصيرةٍ مُتَّقِدَةٍ ترى ما وراء المرئيات ، وتسبُر غياهب الغيب ، وتُبصر بالقلب ما لا تَراه العيون ، مع شجاعةٍ وجسارةٍ لا بُدَّ منهما .. إذ أن الحقيقة غالباً ما تكون أغرب من الخيال ، وأحياناً أقسى على النفس مما تتصوَّر ، وربما تكون مُغايرةٌ لما يعتقده الكثيرون من الذين يظنون أنهم يمتلكون نواصي الحقائق القطعية التي لا مزيد عليها ، وليس أسوأ ممن هداه الله في نفسه إلى الحقيقة .. فآثر غيرها عليها خوفاً أو طمعاً ، وكلُّ العَجب ممن يُجادلُ في الله بغير عِلْمٍ ولا هُدىً ولا كتابٍ منير.

زر الذهاب إلى الأعلى