المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (19)

المعقول واللاّ معقول في العلاقات الدبلوماسية (19)
بقلم:السفير عبد الله الأزرق
الجاسوسية والدبلوماسية (1)
وأنا في مكتبي بوزارة الخارجية اتصل بي هاتفياً ذات يومٍ، لا أذكر تاريخه الآن، السفير يحيى حسين نائب مدير جهاز الأمن – مسؤول الأمن الخارجي بالجهاز، وطلب مني أن أحضر إليه في مكتبه. وكانت معرفتي بالسفير يحيى – رحمه الله – منذ تعاصرنا في جامعة ميسوري بكولمبيا، وهو صديق حميم ورجل كريم رفيع الخُلق، ثم تزاملنا في وزارة الخارجية قبل تعيينه في جهاز الأمن.
لدى وصولي لمكتبه بالجهاز، سألني السفير يحيى عمّا إذا كنت عملت في دولة معينة فنفيت حتى زيارتي لها؛ ثم مدّ لي تقريراً، قائلاً: إن التقرير حصلوا عليه من تلك الدولة، وطلب مني قراءته وإرجاعه له.
فتحت التقرير لأتفاجأ أنه عني، وكتبته سفارة دولة مجاورة للسودان، رغم أن جهاز الأمن حصل عليه بطريقة لا أعرفها من دولة أخرى.
أما وجه المفاجأة الحقيقي فهو أن التقرير قال: إنني “قائد المجاهدين في وزارة الخارجية الذين يقاتلون في الجنوب”!!
هذا علماً أنني لم أقاتل في الجنوب، ولم أكن قائد مجاهدين يوماً!!!
أما وجه الخطورة أن الجهاز حصل على التقرير من دولة غير التي كتبته سفارتها.. مما يعني إمكانية انتشار الافتراءات التي كتبت عني، وأخطرها وصف دبلوماسي بمجاهد؛ فقد أصبحت تلك الكلمة كافية لشيطنة أي إنسان في عصر ما بعد تأسيس أبي عبد الله أسامة بن لادن للقاعدة!!!
وتذكرت مقولة الشاعر:
ولكن رأيتُ القوم للشر أجمعوا
عليَّ وسدّوا كلَّ باب وأَغَلقوا
وشاعتْ جواباتٌ على اللهِ تفترى
بأني مِمّنْ لا يجارُ ويرفقُ
فحسبي ما يهدونَ من حسناتهم
وما حُمِّلُوه من ذنوبي وطوّقوا
وتذكرت قول الآخر:
ذا الكَلبُ مِن مشرعِ البُهتانِ قَد وَلَغا
وَأَكثَر الزور في بُهتانِهِ وَلغا
كلبٌ مِنَ الجَهلِ قَد أَبدى مَفاسِدهُ
جَهراً وَأَزبَدَ في إِفسادِهِ وَرغا
يا ربّ مِنهُم فَطَهِّرْ كلَّ بَلدَتِنا
أَفشِ الرّدى فيهمُ يا ربّ وَالوتغا
جَلِيٌّ أن جاسوساً سودانياً كتب تلك الفرية عنّي ، وصدقتها السفارة التي جَنّدَته .
لكني أعرف أن الجاسوس – أي جاسوس – يكذب، ليتقاضى أجره؛ وذلك موثق في ما كتبه كثيرون ممن أداروا جواسيس.. ومن بينهم John Le Carré، الذي عمل في جهاز المخابرات البريطاني ثم دبلوماسياً، وله مؤلفات وكتابات في التجسس ذات قيمة.
القاعدة لدى أجهزة المخابرات هي: لا تترك الجاسوس يجوع ولا تدعه يشبع، بل أبقِ ما تعطيه إياه مربوطاً string attached، ليوافيك بالمعلومات.. ولأن أجره مربوط بما ينتج فيضطر أن يكذب كثيراً.
وكانت أول تجربة لي مع الجواسيس يوم جاءني رجل يبدو من سَمْتِهِ أنه باكستاني، ووقتها كنت سكرتيراً أول في سفارتنا بالرياض عام 1991؛ وقال: إنه من المجاهدين الأفغان، وإن لديهم في وادي بنشير معملاً لإنتاج الغازات السامة، وإنهم يريدون بيعها للسودان ليستخدمها في حرب الجنوب!!!
لم أشك أبداً أنه يحمل مسجّلاً؛ فبادرته بالقول:
إننا نقاتل سودانيين في الجنوب، ونحن لا نستخدم غازات محرمة دولياً لنبيدهم.. هم آخر الأمر أهلنا..
وطلبت منه مغادرة مكتبي فوراً.
ولم تكن تلك حادثة يتيمة.
فقد أرسلت FBI وربما CIA عماد سالم للزميل السفير (الآن) سراج الدين حامد بمكيدة مماثلة لتوريطه فيها وذلك في عام 1993. وبيانها سيرد أدناه.
في 26 فبراير 1993 وقع التفجير الأول لمركز التجارة العالمي WTC. وكان مكتب التحقيقات الفدرالي يبحث حثيثاً عن المنفذين فلم يهتدِ.. ومن عادة أجهزة المخابرات أن تختلق الأدلة حتى لا يظهر عجزها، فكان لابد لها أن تجد كبش فداء.
كان عماد سالم ضابطاً بالمخابرات المصرية، ثم ارتبط بوكالة المخابرات الأمريكية لدى مجيئه إلى أميركا.
ولما اندلعت الحرب في البوسنة والهرسك، أخذ المسلمون في أمريكا يتعاطفون مع مسلمي البوسنة، وجمعوا لهم أموالاً من المساجد، وغضت السلطات الأمريكية الطرف عن هذا.. وشاع في أوساطهم أنه يمكنهم السفر للجهاد في البوسنة أسوةً بما فعلوا في أفغانستان.
واستغلّ عماد سالم تلك المشاعر الإنسانية لدى بعض السودانيين المواظبين على الصلوات في المسجد؛ وأقنعهم أنه بحكم تجربته العسكرية مستعد لتدريبهم، وتعليمهم كيفية صنع قنابل بمواد محلية. وكان رتّب مع مكتب التحقيقات الفدرالي مكان التدريب؛ وركب الأخير كاميرات مخفية في عدة مواضع فيه.
جاء أحد هؤلاء واسمه صديق إبراهيم، برفقة عماد سالم لبعثتنا بنيو يورك، وقدّمه لسراج الدين على أنه من الإسلاميين المعارضين للحكومة المصرية ومحب وداعم لنظام الإنقاذ وأنه يريد السفر والإقامة بالسودان.
ولم يكن المسكين يدري أن سراج رجل ذكي، وبالقانون حاذق، فرد عليه قائلاً:
نحن لا نمنح التأشيرة بناءً على انتماءات سياسية.. يمكنه أن يقدم طلبه بالطريقة الطبيعية لننظر هل نمنحه أم لا؟
وفي هذا الأثناء كان عماد سالم يسجل هذا الحوار، ليبرزه كدليل إدانة لحكومة السودان ودبلوماسييها.
حدثني بهذا صديق إبراهيم نفسه.
وزع العميل المزدوج عماد سالم مهام تجميع المواد اللازمة للقنبلة. ولدى شروعه في سكب المواد وخلطها هجم عليهم FBI واقتادهم للسجن. واتُهموا بتفجير مركز التجارة العالمي بنيو يورك!!!
زرت أولئك الشباب بسجن شديد الحراسة Maximum Security بمدينة نيو يورك برفقة الزميل الفاضل محمود يوسف الحسين. وفي المدخل وضعوا على ظاهر أكُفِّنَا ختماً لا يُرى إلّا بعد أن يضعوا الكَفْ تحت نور الفلورسنت. وكان مكتوباً على كَفِي Miami؛ ليتأكدوا أن الذي دخل Miami، ولدى الخروج هو Miami نفسه.
وداخل السجن قال لي الشباب المعتقلون: إن صديق خائن وإنه سيورطهم؛ وإنه ليس مسجوناً معهم وإنما في قسم “الفئران”.. وأوضحوا لي أن قسم الفئران هذا مخصص للذي يرضى أن يصبح شاهد ملك state witness لتخفف عنه العقوبة.
وبالفعل دخل عليّ صديق من غير الباب الذي دخل به الآخرون .
ثم حضرت محاكمتهم بنيو يوك.
وبالفعل حُوكِموا أحكاماً قاسية رَبَتْ على العشرين عاماً. وخُفّفت على صديق!!! ولم يُطلق سراحهم حتى بعد أن ألقت المخابرات الأمريكية القبض على الفاعل الحقيقي المُعتَرِف رمزي يوسف الباكستاني. وللأسف توفي أحدهم لرحمة مولاه في السجن.
أمّا رمزي يوسف فهو ابن أخت خالد الشيخ محمد مُدبّر ومخطط Master Mind هجمات 11 سبتمبر 2001م ، وهو من قياديي القاعدة . وكان معروفاً بحِدّة الذكاء ، وقدرات إبداعية نادرة في الهندسة .


